د. محمود البلوشي
إنَّ الزواج في الإسلام يُعدُّ من أعظم السنن، وأهمِّ العقود التي حثَّ عليها الإسلام، وهو الميثاق الغليظ الذي يربط بين الرجل والمرأة برباطٍ شرعيٍّ مقدس. فالزواج لا يقتصر فقط على كونه وسيلةً لإشباع الغرائز البشرية، بل هو طريقٌ لتحقيق السكن والطمأنينة والمودة والرحمة التي أودعها الله بين الزوجين؛ لما لها من أثرٍ بالغٍ في استقرار الأسرة وحسن تربيتها، كون الأسرة هي اللبنة الأساسية للمجتمع، والزوجة الصالحة تُعدُّ المعين الأول لزوجها في وضع الأساس لبناء هذه الأسرة السليمة، إذ إن الزوجة هي الأم، وهي المربية والمدبرة لشؤون المنزل.
لذلك أكدت أغلب المذاهب الفقهية على ضرورة أن يحرص الرجل المسلم على اختيار الزوجة الصالحة صاحبة الدين، التي تتصف بالصلاح والتقوى؛ لأن الزوجة الصالحة هي التي تعين الزوج على أمور دينه ودنياه، بحسب ما جاء في قول الرسول ﷺ: «تُنكح المرأة لأربع: لمالها، ولجمالها، ولحسبها، ولدينها، فاظفر بذات الدين، تربت يداك». صدق رسول الله ﷺ.
فلم يذكر في الحديث الشريف الأخلاق بشكلٍ مفصل، على اعتبار أن الأخلاق تندرج في الدين، كما أن الأخلاق الحسنة هي الثمرة العملية، والدليل الأكبر على صدق الدين والتزام المرء به، حيث إن شمولية الدين تشمل العقيدة والعبادات والمعاملات والأخلاق الفاضلة، كالصدق والأمانة وحسن العشرة. فعندما سُئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي ﷺ قالت: «كان خلقه القرآن»، مما يوضح الترابط التام بين الدين والخلق.
أما عن أمر الرسول ﷺ بقوله: «فاظفر بذات الدين»، فيؤكد أن صاحبة الدين هي التي تحوز مكارم الأخلاق، والتي تحفظ البيت وتصون العشرة. كما أن الزوجة الصالحة هي أعظم كنزٍ يرزقه الله للرجل، فهي خير ما يقتنيه الرجل في دنياه؛ لأنها ستكون مصدر سعادةٍ وراحةٍ واستقرارٍ له ولأسرته.
وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن صفات الزوجة الصالحة تشمل مجموعةً من الخصال التي تضمن نجاح الحياة الزوجية، ومنها: (التمسك بالدين والتقوى، وحسن الخلق، وطاعة الزوج في المعروف، وصيانة العرض والمال، والقيام بحقوق الزوج، ورعاية الأبناء). وهذه الصفات تجعل الزوجة شريكةً فاعلةً في تحقيق مقاصد الزواج الشرعية من العفة والتربية والتقوى.
وقد حثَّ الرسول ﷺ الشباب على الزواج، وعدَّه من سنته، وأمر به الشباب لمن استطاع إليه سبيلًا، مبينًا أنه يحصن الفرج ويغض البصر ويكمل نصف الدين، حيث قال ﷺ: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغضُّ للبصر، وأحصنُ للفرج». كما اعتبر الرسول ﷺ أن الزواج نصف الدين في قوله: «إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف الدين، فليتقِ الله في النصف الباقي».
ومن المشكلات الرئيسية التي تعيشها المجتمعات المدنية المتحضرة، تحت اسم الموضة والتمدن، العزوف عن الزواج وارتفاع نسب الطلاق في المجتمعات العربية المسلمة، حيث إن مفهوم الزواج سابقًا كان قائمًا على ما تم ذكره في بداية المقال، وهو: الدين والأخلاق الفاضلة.
وفي العصور القديمة، تحديدًا، كان الزواج يُعتبر أمرًا ضروريًا للعيش بشكلٍ مستقر، وضمان استمرار الجنس البشري، وكان أهم معيارٍ للزواج هو الدين والأخلاق الفاضلة. ولكن في العصور الحديثة تغيرت وجهات النظر تجاه الزواج بشكلٍ كبير، وأصبحت تعتمد على عوامل مختلفة، ومن أهم هذه العوامل التي أثرت على نظرة الشباب للزواج: التعليم.
ففي الأزمنة القديمة، كان من المعتاد أن يتزوج الشباب في سنٍّ مبكرة، وتبدأ حياتهم الزوجية قبل الانتهاء من التعليم، ولكن اليوم يُعتبر التعليم أمرًا هامًا، والكثيرون يفضلون استكمال تعليمهم العالي قبل الارتباط بالزواج، وهذا يمكن أن يؤدي إلى تأخير سن الزواج، وتأجيله إلى مرحلةٍ لاحقةٍ في الحياة.
ناهيك عن العامل الاقتصادي والوضع المادي للشاب؛ لأن الظروف الاقتصادية يمكن أن تؤثر بشكلٍ كبير على توقيت وقرارات الزواج، لأنَّه في بعض الأحيان يمكن أن تجعل الضغوط الاقتصادية الشباب يتأخرون في اتخاذ قرار الزواج حتى يتمكنوا من تحقيق استقرارٍ ماليٍّ أكبر.
وهناك مجموعةٌ من الشباب يروجون لحياة العزوبية على أنها حياة حريةٍ وسعادةٍ مطلقة، والبعد عن الالتزامات، وأن الرجل العازب يعيش أكثر راحةً وانطلاقًا، بعيدًا عن قيود الزواج، ولكن البحوث والدراسات العلمية الإسلامية والنفسية والاجتماعية تؤكد أن الرجل بطبيعته يميل إلى الارتباط والاستقرار، وأن الزواج يمنحه الإحساس بالانتماء والدعم النفسي والمجتمعي.
فالحياة بدون امرأةٍ وزوجةٍ صالحة تُعتبر حياةً شائكةً، مليئةً بالعديد من المنغصات، وهي، كما أشرتُ في بداية مقالي، حياةٌ جافة.
فتحيةٌ إلى كل أمٍّ، ومربيةٍ، وزوجةٍ، وربةِ بيتٍ، وأختٍ، وبنتٍ؛ فالأنثى هي شقيقة الرجل، فلا تكسر قلبها، وأغدق عليها العطف والحب والحنان.
وتحياتي لزوجتي وشريكة حياتي، الأستاذة والمربية الفاضلة أم سعيد.
