حَمْلَة الخَير

 

 

موزة المعمرية

مع إشراقة شمس الخامس عشر من شهر يوليو، في يومه الأربعاء وفصله الصيفي الجميل، تقدمت خطواتي نحو الأمام تقصد تلك الحافلة البيضاء، وقفتُ قليلًا أرفع بصري عاليًا أرقب الحافلة بتمعن، كانت لدي اختلاجات غريبة تتراقص في فكري الرحب، وتتراقص بضع أسئلة هنا وهناك: "هل الحافلة ستكون مُريحة لي طيلة طريق الرحلة الإيمانية التي سأقضيها للوصول إلى مكة الأبيَّة؟"، "تُرى كيف ستكون رحلتي معهم؟"، "هل سأتمكن من التأقلم مع كوكبة النِّسوة التي سأقابلهن لأول وهلة؟".

كانت الشمس مُشرقة بلونها الذهبي المُعتاد، جلستُ في مقعدي وأخذت أتأملها قليلًا من نافذة الحافلة، ثم أخذت بالتسبيح والذكر الجليل للرحمن الرحيم، أحيانًا كنت أختلس النظر إلى ما يدور خارج الحافلة عبر النافذة الكبيرة، الكل كان مشغولًا خارجًا، إما لإعداد بعض الأطعمة الصباحية، كالتجهيز لوجبة الفطور، أو إعداد شاي "الكرك"، والبلح العُماني المتنوع الشكل والنوع، عُدتُ بعدها لاستكمال أدعية الصباح والذكر الرحماني الذي لطالما كان وسيظل يُرافقني في حياتي المُفعمة بكل روح إيمانية أستمد اللذة منها، انطلقت الحافلة بعد صعود الجميع فيها تقصد دولة الإمارات العربية المتحدة، منفذ "حَتَّا"، لأخذ الإذن بالعبور من المنفذ لاستكمال الرحلة البرية عبر الطريق المُمتد إلى المملكة العربية السعودية، مقر كعبة الله الشريفة، طوال فترة الطريق كان عبارة عن بعض الأحاديث النسائية والقهقهات، وأحيانًا بعضًا من أخذ قسط من الراحة للنوم، وأحيانًا أخرى للذكر والتسبيح، وأحيانًا مشاهدة المناظر الطبيعية الخارجية من نافذة الحافلة، من أودية صحراوية، وصحارٍ ذهبية، وجبالٍ شاهقة، وطُرق وعرة صخرية، وبعض الأشجار الصحراوية المُقاومة للحرارة الشديدة والجفاف، الحافلة لا تتوقف كثيرًا إلا عند أداء الصلوات أو تناول الطعام في بعض المطاعم المُنتشرة على الطريق، كنت أَعُدُّ الساعات وأسأل رفيقتي في السفر، التي اعتبرتها كأخت لي، "مريم"، المرأة الجميلة الهادئة الطيبة القلب والروح الزكية: "متى سنصل؟"، كان سؤالي ساذجًا بحكم بُعد المسافة والطريق الوعر الذي نقصده، ولكن شوقي إلى مكة، والكعبة، والحرم، كان يُجبرني على تكرار هذا السؤال على مسامعها بين الفينة والأخرى، صاحب الحملة "عبد الرحمن الساحب" كان كريمًا جدًا معنا، لم ينقصنا شيء من طعام أو مشروبات، باردة كانت أم ساخنة، حيث إنه كان يحرص دائمًا على التوقف عند أماكن جيدة نظيفة ومطاعم لذيذة الطعام، وكان يحرص على تنويع الأطعمة لنا، صُحبة النساء كذلك كانت مريحة، والمُشرفات كُنَّ رائعات، أمَّا عن نساء عائلة صاحب الحملة فكنَّ كالنجوم المتلألئة في السماء الحالكة.

انقضى الطريق، ووصلت بنا الحافلة إلى المملكة العربية السعودية، وعبرنا كل منافذها على خير، واستمرت الحافلة بالمُضي إلى أن توقفت عند "الميقات"، هناك شعرت بأني وُلِدتُ من جديد لأبدأ رحلة ولادتي من هنا، هنا البدء، وهنا التكوين، بعد فترة وجيزة انتهت كل النسوة من أمور الميقات، وقصدنا المسجد لنصلي ركعتي سنة الوضوء، أما أنا فأكملت الأمر بركعتين لوجه الله تعالى حمدًا وشكرًا له على فضله العظيم عليَّ، قصدنا الحافلة، وهنا استطعت التعرف على زوجة صاحب الحملة، وكانت لطيفة في حديثها معي، لبقة جدًا، انطلقت الحافلة تبغي المسير بنا إلى مكة، عند حلول العصر نزلنا من الحافلة البيضاء إلى الديار البيضاء في فندق "الجنادرية"، حيث قرر صاحب الحملة النزول فيه مع كل من معه، كان الفندق جميلًا وحديث الصيانة، وكل شيء فيه كان جيدًا، وكان الأجمل فيه أنه قريب من الحرم المكي، ما إن وضعنا حقائبنا في غرفنا المُتفرقة حتى استعددنا للانطلاق إلى الحرم لأداء مناسك العمرة، فَرَح العالم بأسره كان يتراقص في قلبي وروحي في كل خطوة كنت أخطوها نحو الحرم، وزاد الأمر فرحًا عند رؤيتي للكعبة الشريفة، مزيج متناغم بين اللذة المُشتاقة، وحلاوة الإيمان، وروعة الحضور الإلهي هناك، شعور يُعاش ولا يُوصف مهما كان الوصف دقيقًا، هناك فقط عرفت ما هو "العشق" الحقيقي في هذا الوجود، فلا عشق ينبثق منك إلا هنا نحوه جلَّ علاه.

عند بدء الالتفاف حول الكعبة بأشواطها السبعة، لم يغب نظري عنها، وكنت أدعو بداخلي بكل ما وددت أن يعطيني الله إياه في الدنيا والآخرة، لم أنسَ أحدًا من أفراد عائلتي إلا ودعوتُ له، وكان على رأس دعواتي والداي اللذان ربياني صغيرة وأحسنا تربيتي، أتممنا الأشواط السبعة، ثم قصدنا المسعى، وأتممنا سعينا كذلك على خير وفضل ومِنَّة وبركات من الله سبحانه وتعالى علينا، عند مغادرتنا الحرم المكي، قاصدين الفندق الذي نزلنا فيه، كنت أشعر بسعادة عارمة تتراقص ما بين أضلعي، فلا توجد سعادة أفضل وخير من القرب من الله وحده، عُدنا إلى الفندق وتناولنا وجبة العشاء، وكانت لذيذة، فالأصناف مُتنوعة، وتأخذ ما تشاء مما تشاء من البوفيه المُتعدد الأنواع، والمشروبات كذلك، أما بالنسبة للخدمة، فقد كانت عالية الجودة، ولكن ليست بجودة خدمة وعناية مُشرفات الحملة لنا، لقد أخجلونا بحُسن تعاملهم، وذوقهم الرفيع، وحُسن أخلاقهم العالية، وكرمهم الجميل، قضينا أوقاتًا جميلة في مكة ما بين قيام الليل، وصلوات الفرائض في الحرم، وشرب ماء زمزم، وسِقاية بعض المُحتاجين للماء، لم نتوانَ جميعًا عن انتهاز أي فرصة تُقربنا من الله أكثر من كل شيء فيه خير.

أتى اليوم الذي تقرر فيه مُغادرة مكة لنقصد المدينة المنورة، وما أجمله من مقصد، وما أجملها من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، في الطريق قصدنا الصلاة في مسجد قُباء، ثم قصدنا جبل أُحد، ومقبرة الشهداء، بعدها أكملنا طريقنا حتى قصدنا الفندق، وأخذنا قسطًا من الراحة والاستحمام، قصدنا بعدها الحرم المدني، وصلينا فيه صلاتي المغرب والعشاء، كنا نشعر بسعادة كبيرة لوجودنا في الحرم المدني، مدينة الرسول وبالقرب منه، صلينا أيضًا في الروضة الشريفة، وكانت بمثابة كرامة لنا من الله عز وجل، قضينا فترات جميلة في المدينة، واشترينا كذلك من "آيس كريم ورد المدينة"، وكذلك تمر العجوة اللذيذ، قضينا أوقاتًا روحانية جميلة، ولكنها الأيام تنقضي لينقضي معها كل ما هو جميل، وتمَّ الإذن لنا بالرحيل من المدينة المنورة، نبغي استكمال طريقنا للعودة إلى أرض الوطن الحبيب، استكملنا كل القوانين الأمنية السعودية، وعبرنا المنفذ بسلام تام وسهولة من قِبل أصحابها.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z