من الملكة اللغوية إلى الكفاءة الترجمية

 

 

د. شيرين النوساني

في المقالين السابقين، وقفنا أمام مفهوم "التشوه المعرفي" الذي تسببه الترجمة الرديئة، ثم أمام سؤال "سلطة المعنى" وعلاقة المترجم بالنص بين الأمانة والإبداع. واليوم نقف أمام ظن شائع، هو الأكثر رسوخًا والأقل تعرضًا للمساءلة: أن إتقان لغتين، أو التحدث بهما بطلاقة، هو ما يمنح صفة "مترجم". ظن يحمل من البساطة ما يجعله مُقنعًا، لكنه يحمل من الخطورة ما يجعله أحد أخطر أسباب تراجع هيبة الترجمة.

ولعلَّ السؤال الأعمق ليس "هل إتقان لغتين كافٍ؟" بل لماذا يصر المجتمع على اختزال الترجمة في الثنائية اللغوية؟ ولماذا يُنظر إليها كنشاط لغوي لا معرفي، رغم أنَّ جوهرها يعتمد على الفهم والتحليل وإعادة البناء؟

ولعلَّ أحد أهم أسباب ذلك أن الترجمة، في الوعي الجمعي، لا تزال محصورة في صورتها الأداتية: وسيلة لنقل المعلومات، وليست علمًا قائمًا بذاته. وهذا الانطباع عززته أدوات الترجمة الآلية التي جعلت النقل اللغوي في متناول الجميع، فترسخ الاعتقاد بأنَّ الترجمة ليست أكثر من عملية استبدال لغوي يمكن للآلة أو لأي متحدث بلغتين القيام بها. غير أن هذا القياس يخلط بين سرعة الإنجاز وجودته، وبين ظاهر النص ومضمره، وبين معرفة الكلمات وفهم المعاني.

لا شك أن إتقان اللغات موهبة وقابلية طبيعية قد يمتلكها الكثيرون، تمامًا كما يمتلك البعض موهبة موسيقية أو رياضية. لكن الترجمة ليست مجرد ملكة لغوية، بل هي كفاءة مركبة تقوم على أسس نظرية ومناهج تطبيقية، وقدرة على ضبط العلاقات بين اللغات والثقافات، وعلى إعادة بناء المعنى في سياق جديد دون إفقاده أصالته. وإذا صح التشبيه، فإن الفرق بين "ملكة اللغة" و"كفاءة الترجمة" هو الفرق بين من يحسن العزف على آلة موسيقية، ومن يؤلف سيمفونية تلامس الروح؛ الأول مهارة فردية، والثاني علم وفن ووعي في آن.

وكما أن كل حقل معرفي يطوّر أدواته ومناهجه الخاصة، فإن الترجمة ليست استثناءً. فهي بدورها حقل له نظرياته وإشكالياته وتاريخه وتطبيقاته، ولا تُكتسب كفاءته بمجرد امتلاك الموهبة اللغوية، بل بالدراسة والممارسة المنهجية. أما من اكتفى بالممارسة الحدسية، أو بالاعتماد على الأدوات الرقمية دون تكوين، فإنه يعرض نفسه ويعرض النصوص لخطر التشويه دون أن يدري.

فالنص الأدبي يختلف عن النص القانوني، والنص الطبي يختلف عن النص الديني، والنص الإعلامي يختلف عن النص الفلسفي. وكل نص يحمل معجمه الخاص، وإحالاته الداخلية، وثقافته المضمرة، ومرجعياته التي لا تتكشف إلا لمن مارسها وتخصص فيها. ومن ثم، فإن من يترجم في كل المجالات دون تمييز لا يكون واسع المعرفة بقدر ما هو متجاوز لحدود اختصاصه، تجاوزًا قد لا يدركه، لكنه يؤثر في النص وقارئه، ويُفقد الترجمة مصداقيتها.

قد يرى البعض أن معرفة لغتين، أو حتى ثلاث، تجعل المرء مترجمًا. لكن المعرفة اللغوية وحدها لا تمنح القدرة على نقل المعاني بدقة، ولا تمنح الحس بالسياق، ولا القدرة على الاختيار بين المرادفات المتقاربة، ولا الذوق الذي يميز بين الترجمة الرشيقة والترجمة الركيكة. فالترجمة ليست معادلة رياضية، بل هي فعل تأويل واختيار ومسؤولية، تتطلب تكوينًا وخبرة ووعيًا بما تفعله وأنت تنتقل بين عالمين مختلفين.

إن الترجمة الحقيقية ليست مجرد ممارسة فردية، بل مشروع معرفي وثقافي لا يقوم إلا بجهود من يمتلكون أدواته، ويحترمون حدوده، ويدركون أنهم ليسوا مجرد ناقلين، بل بناة جسور بين الثقافات. وكلما ازداد وعينا بهذا الفرق، ازدانت الترجمة بهيبتها، وعادت إلى مكانها اللائق بين العلوم والفنون، وغدا القارئ أكثر قدرة على التمييز بين الغث والسمين، وأصبح المترجم الحقيقي أكثر قدرة على أداء رسالته دون أن تغرق أصواته في ضجيج المدعين.

اللغة مفتاح، أما الترجمة فبناءٌ متكامل.

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z