تحولات معادلة الردع في الخليج

 

 

خالد بن سالم الغساني

عندما تعجز القواعد القديمة عن تفسير الواقع، يبدأ عصر جديد. والمواجهة الأمريكية-الإيرانية تكشف اليوم أن قواعد أمن الخليج التي استقرت طوال العقود الماضية لم تعد قادرة على تفسير ما يجري.

فبعد حرب تحرير الكويت عام 1991، تشكَّل نظام أمني جديد في الخليج، استند إلى وجود عسكري أمريكي واسع، وتفوُّق نوعي في القوة، وافتراض أن هذا التفوق كفيل بردع أي تهديد للاستقرار الإقليمي. وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، نجحت هذه المعادلة، بدرجات متفاوتة، في احتواء الأزمات ومنعها من التحول إلى مواجهات مفتوحة.

غير أن ما يجري اليوم يكشف أن المشكلة لم تعد في حجم القوة كما كانت، وإنما في حدود قدرتها على فرض النتائج التي كانت تفرضها في السابق.

فالولايات المتحدة الأمريكية ما زالت هي القوة العسكرية الأكبر في المنطقة، وإيران ما زالت تدرك، في تقديري، أنها لا تستطيع مواجهة أمريكا في حرب تقليدية. ورغم ذلك، تتكرر الضربات، وتتوسع دوائر الاشتباك، وتتعرض منشآت حيوية، وممرات بحرية، وقواعد عسكرية للاستهداف، من دون أن ينجح ميزان القوة التقليدي في إعادة المشهد إلى ما كان عليه.

ذلك لأن طبيعة الصراع نفسها تغيرت.

فالقوة لم تعد تُقاس بعدد الجيوش أو الطائرات والسفن فقط، بل بالقدرة على التأثير في الاقتصاد، وتعطيل سلاسل الإمداد، وتهديد أسواق الطاقة، واستخدام الصواريخ الدقيقة، والطائرات المسيَّرة، والهجمات السيبرانية، والشبكات المسلحة العابرة للحدود. وأصبحت كلفة الصراع تُقاس بما يحققه من مكاسب عسكرية، لا بما يخلقه من اضطرابات سياسية واقتصادية.

ولهذا، فإن ما يجري بين واشنطن وطهران اليوم يعكس نهاية مرحلة استمرت منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، حين بدا أن التفوق العسكري وحده قادر على تنظيم الأمن الإقليمي. أما اليوم، فإن هذا التفوق ما يزال قائمًا، لكنه ليس كافيًا وحده لإنتاج الاستقرار.

وهنا يمكن فهم سلوك الطرفين في التعاطي مع الوضع القائم. فالولايات المتحدة لا تبدو في وارد خوض حرب لإسقاط النظام الإيراني، لأنها تدرك أن كلفة ذلك قد تكون أعلى من كلفة احتواء إيران نفسها. وفي المقابل، لا تسعى إيران إلى تحقيق نصر عسكري تعرف أنه خارج قدرتها، وإنما إلى إثبات أن امتلاك الخصم للتفوق العسكري لا يعني امتلاكه القدرة على فرض إرادته السياسية.

وهكذا، يتحرك الطرفان داخل معادلة لا يستطيع أيٌّ منهما كسرها. فكل منهما قادر على إلحاق الضرر بالآخر، لكن أيًّا منهما لا يستطيع فرض نهاية للصراع بالشروط التي يريدها. ولذلك، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة يتراجع فيها الحديث عن الحسم، ويتقدم فيها منطق إدارة الأزمات واحتواء التصعيد، مع بقاء احتمالات الانفجار قائمة كلما أخطأ أحد الأطراف في تقدير حدود القوة أو نيات خصمه.

لكن التحول الأهم يتجاوز هذه الجولة من التصعيد. فما يحدث في الخليج ليس حدثًا منفصلًا عن العالم، بقدر ما هو جزء من مرحلة تتراجع فيها قدرة القوة العسكرية وحدها على إنتاج النظام، ويزداد فيها تأثير الاقتصاد، والتكنولوجيا، والفاعلين غير التقليديين في تشكيل موازين القوة. والخليج، بحكم موقعه وثقله الاستراتيجي، أصبح أول مكان تظهر فيه ملامح هذا التحول بوضوح.

ولذلك، فإن السؤال الذي سيبقى بعد أن تتوقف الضربات لن يكون: من انتصر في هذه الجولة؟ وإنما: ما هو النظام الأمني الذي سيحل محل النظام الذي تشكل بعد عام 1991؟ لأن التاريخ لا يتغير عندما تندلع الأزمات، وإنما عندما تفقد القواعد التي حكمت مرحلة كاملة قدرتها على تفسير الواقع. ويبدو أن الخليج يقف اليوم عند واحدة من تلك اللحظات.

الأكثر قراءة

z