"الطبيب الغائب"

 

جابر حسين العماني**

Jaber.alomani14@gmail.com

في السابق، كان بإمكان المواطن الدخول على عيادة الأنف والأذن والحنجرة بشكل مباشر، أما اليوم فقد أصبح المواطن يمر على محطات سياحية داخل المستشفيات الحكومية.

المحطة الأولى: لا بد من مراجعة العيادة العامة أولًا، حيث ينتظر ساعات وهو يترقب دوره للدخول على الطبيب العام، وبعدها يحصل على تذكرة انتقال إلى المحطة الثانية، وهي عيادة الأنف والأذن والحنجرة أو أي عيادة أخرى، وهنا عليه أيضًا الانتظار من جديد حتى يأتي دوره.

وبعد كل ذلك الانتظار الطويل والمزعج، يفاجأ المراجع بعبارة: "للأسف، لا يوجد إلا طبيب واحد، وعليك انتظار رسالة الموعد حتى تزورنا من جديد!".

أخذت ولدي وهو يعاني من مشكلة في السمع، وخرجنا من المستشفى ونحن ننتظر بشوق رسالة الموعد التي كنا نتوقع أن تصل سريعًا، لكن للأسف مضى أكثر من أسبوع، ورسالة الموعد لم تصل حتى اللحظة.

يبدو أن النظام الجديد نجح، وبجدارة، في تنظيم طوابير المرضى الأعزاء، ولكنه لم ينجح في إيصال المواطن المريض إلى الطبيب المختص بشكل مريح.

نتمنى من المسؤولين الكرام إعادة النظر في هذه الإجراءات التي باتت تشكل عبئًا على المراجعين، فالمواطن يبحث عمن يعالجه بشكل مريح، وهذا من أبسط حقوقه، وليس عن رحلة انتظار مرهقة له ولصحته، تنتهي برسالة موعد قد تصل وقد لا تصل.

لست من أهل التخصص في إدارة أزمات ازدحام المرضى والمراجعين في المستشفيات وتنظيمها، ولكني أؤمن بأن الإخلاص في العمل، والسعي إلى الحلول التي تريح المواطن، واجب وطني على الجميع. ومن هذا المنطلق، أطرح بعض المقترحات التي أرى فيها إسهامًا في تنظيم هذه الحالات وتيسيرها، وهي كالآتي:

•  أولًا: لا بد من معالجة أصل المشكلة لا أعراضها، فالاكتفاء بتوفير طبيب متخصص لا يكفي، بل الواجب يستدعي من المختصين زيادة عدد الأطباء المتخصصين، وضمان تواجدهم طوال فترة العمل، حتى يضمن المرضى الحصول على العلاج اللازم.

•  ثانيًا: نشر تقرير دوري للجمهور، عبر تطبيقات وزارة الصحة أو منصات التواصل الاجتماعي، يوضح متوسط زمن الانتظار في كل عيادة تخصصية، والهدف من ذلك تحسين أداء هذه العيادات، ومنح المواطن معلومات واضحة وواقعية تغنيه عن المفاجآت المزعجة التي قد يواجهها في العيادات.

•  ثالثًا: زيادة تأهيل الكادر الوطني للعمل في جميع التخصصات الطبية، خاصة في ظل صعوبة استقطاب الأطباء المتخصصين من الخارج.

•  رابعًا: إعطاء الأولوية في العلاج الفوري للحالات المستعجلة، مثل فقدان السمع المفاجئ، أو أي حالة يتسبب تأخير علاجها في مضاعفات لا تُحمد عقباها.

•  خامسًا: توفير عقود طويلة الأمد للأطباء الذين تجلبهم الحكومة من الخارج، ومنحهم بعض المزايا التي تشجعهم على الاستقرار، وعدم مغادرة العمل عند حصولهم على عرض أفضل.

•  سادسًا: ينبغي بناء مستشفيات تتناسب مع الكثافة السكانية لكل ولاية، فليس من المنطق أن يضم المستشفى غرفتين فقط لكل تخصص، بينما يتجاوز عدد المراجعين الطاقة الاستيعابية.

•  سابعًا: رفع كفاءة الطبيب العام، بما يؤهله لعلاج المريض، بدلًا من التحويل المباشر إلى الاختصاصي.

•  ثامنًا: العمل الجاد على رفع مستوى وعي المجتمع بالأمراض الشائعة، وكيفية الوقاية منها.

وعلى وزارة الصحة أن تفي بما تعلنه في وسائل الإعلام من وعود، كبناء المستشفيات التي يفترض أن تحل مشكلة استيعاب المراجعين. فعلى سبيل المثال، تم سابقًا الإعلان عن بناء مستشفى ولاية صحم بحلته الجديدة، وأُعلن عن مخططاته، ولكن المستشفى لم يرَ النور إلى الآن.

أخيرًا: في مقالنا هذا لسنا ضد التنظيم أو تحسين الإجراءات، بل نؤمن إيمانًا راسخًا بأن التنظيم السلس الفعال هو ما يخفف إزعاج المرضى في المستشفيات، وليس إضافة انتظار مواعيد جديدة. لذا ينبغي تطوير آليات محترمة تتيح للحالات المرضية الوصول المباشر إلى الطبيب المختص، مع الحفاظ على الجودة المطلوبة في المستشفيات الحكومية، وهي غاية يجب أن نعمل جميعًا على تحقيقها في سبيل راحة المواطن المحتاج إلى العلاج، وتخفيف معاناة الانتظار الطويل الذي يزيد آلام المرضى وهموم المراجعين.

 

**عضو الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء

الأكثر قراءة

z