ماجد المرهون
Majidomarmajid@outlook.com
تُجدد الطبيعة عهدها مع الجمال في كل موسم خريف يطل على محافظة ظفار، لتكتسي السهول والآكام والجبال بحلتها الخضراء الوارفة، وتكتنف الوديان والهضاب والقمم أنفاس الضباب الحالمة. بيد أن كمال ذلك السحر الاستثنائي، والحري به أن يكون مصدرًا للبهجة واستكانةً للروح، لا يتجسد كليًا حين يجرحه الزحام، ويتجرد تدريجيًا من معناه إزاء تشكل كابوس مروري معتاد يطبق على أنفاس المنطقة، لا سيما مدينة صلالة، الحاضرة الرئيسة والحاضنة المركزية للزائر والسائح، فضلًا عن المواطن والمقيم.
يُحول الازدحام، الذي يبلغ مرحلة الاكتظاظ، الشوارع الرئيسة للمدينة وتفرعاتها، وحتى حواريها وأزقتها، إلى حالة قريبة من الشلل التام في بعض الأحيان، حيث لم يعد اختناق السير ظرفًا طارئًا يُطوى بنهاية الموسم مع محاولة تصبير الناس لأنفسهم على أمر قد قُدر، بل بات معضلة هيكلية تكشف عن عجز مؤقت في وضع حلول جذرية ومستدامة، وصعوبة بالغة في قدرة الجغرافيا والبنية الأساسية على استيعاب التدفق الهائل لروافد السيارات وتوافد البشر من كل حدب وصوب، لتصب في قلب المدينة الحالمة.
بالنظر المتعمق، مع قراءة متأنية للواقع المروري، نجد أن المنطقة صُممت لخدمة طاقة استيعابية محدودة تتناسب مع الكثافة السكانية المحلية، ومع النمو الطبيعي على مدار تسعة شهور في العام والمستقبل غير البعيد، ولم تضع في الاعتبار الطفرة الخريفية المتزايدة كل عام، مع الأعداد الكبيرة للمركبات والزوار دفعة واحدة خلال بضعة أسابيع، وكأن الازدحام يفاجئنا سنويًا مع علمنا المسبق بمفاجآته. حتى إذا وصلت القدرة التشغيلية للطرق ذروتها، وبلغت حد الإنهاك المطلق، تعالت الأصوات، وساد التذمر، وانعكس اختلال نبض الشارع بالاستياء على السكان من أهل المكان والقادمين من خارجه.
لعل ما يفاقم الوضع هو التعامل مع الأزمة بمنطق الظرفية المرحلية، وتنفيس الاحتقان بالتحايل على المسارات وتحويرها، بتحويل مدخل هنا، وفتح وإغلاق آخر هناك، وإطالة زمن الإشارة الحمراء في ذلك الشارع، والخضراء في المقابل، ونشر دوريات إضافية لتنظيم حركة المرور. وما هي إلا مسكنات مؤقتة تهدئ الألم ولا تعالج أصل العلة، فالحلول الجذرية لا تؤجل وتُرحل إلى أجل غير مسمى، هذا إذا ما كنا ننظر فعليًا إلى صناعة السياحة، لأن الاستدامة في هذه الصناعة ليست مستثناة، وشأنها شأن ضرورة توفرها في كل الصناعات.
الجانب المبهم الذي لا يريد أن يتحدث عنه أحد في هذه المعادلة اللانهائية يكمن في اختلال ميزان الأولويات، وليس في تعطل الحركة المرورية وحسب. ففي خضم السعي الحثيث لإرضاء السائح والزائر، وضمان تجربة سياحية ممتعة له ومكتملة، يتسلل شعور جارف لدى الساكن الأصلي للمكان بانفصاله عن محيطه الحيوي، وكأن واقع الحال لصرخته الخفية يرد صداها عليه بضرورة التحلي بصبر أيوب، طالما أنك تريد الازدهار السياحي لمدينتك ومنطقتك، وعليك بالتغافل والتجاهل الموسمي، وكلها شهران وتنجلي الغمة.
لقد تحولت بيوت بعض الناس وأحياؤهم إلى محابس اختيارية، فيغدو الخروج إلى الطرقات لقضاء حاجة أساسية -كزيارة طبيب، أو التزود بالمؤن الضرورية، أو الذهاب إلى العمل، وحتى الزيارات العائلية- تجربة مريرة تستدعي التوقف والتفكير في البدائل، لأنها تستنزف ساعات طويلة من الوقت، وما يترتب عليه من هم وقلق الانتظار، واختلال للمواعيد. وكل ذلك لا يستقيم مع فلسفة السياحة المريحة، إذ ترتكز على أصل مفاده: "الرضا المحلي هو حجر الأساس للترحاب بالقادم الخارجي." ومتى ما أُهملت راحة المواطن، وغُيبت احتياجاته اليومية لصالح حشود الزائرين، فإن السحر السياحي للخريف سيفقد رونقه، ويتحول الموسم من احتفالية مجتمعية بالخصب والعطاء إلى فترة توتر ومكابدة يتمنى الكثير جلاءها وانقضاءها بأسرع وقت ممكن.
تقف المنطقة اليوم على مفترق طريق لا يحتمل المماطلة، ومسكنات التصبير، والإجراءات المؤقتة، فإما الذهاب نحو إدارة حاسمة للطاقة الاستيعابية تتضمن حلولًا ذكية وعملية لتجسير شرايين المرور المغذية لجسد السياحة، وإما الاستمرار في نهج الاجتهاد عند الضرورة، وانتظار المفاجأة المتوقعة، وتكيف المجهد الذي يستهلك أعصاب السكان، ويفرغ الموسم معنويًا من قيمته الجمالية والإنسانية.
بالطبع، لا يمكن لعاقل إنكار كل الجهود المبذولة من جميع الجهات ذات الصلة، حسب الإمكانيات المتاحة لها، فكلمات الشكر والثناء لا توفي القائمين عليها حقهم، كما لا يمكن إغفال أو إهمال راحة الزوار والسياح، حيث لا تزال ثقافة التعامل معهم كضيوف هي السمة السائدة. ولكن لا ينبغي أيضًا أن تُبنى على حساب مشاعر السكينة اليومية لساكن المكان، وجدير بالحلول الذكية على مدار العام ألا تستثني شهورًا معينة باعتبارها مرحلة مؤقتة لا تستدعي الأهمية، بل تؤخذ في الاعتبار، وإن كانت الشهور التسعة المتبقية لا تشهد ازدحامًا مروريًا كما يشهده موسم الخريف. ومن باب الرفاهية الفكرية، بوضع الحالة النفسية لمستخدم الطريق في الميزان، فإن الأمر ذو صلة مباشرة بضمان الأمن الاجتماعي والأمان على الطرقات، وتجربة استخدام الطرق والحركة المرورية لا تنفصل عن تقييم التجربة السياحية في شكلها العام.
