الحماية الرقمية للآثار الثقافية الصينية تجذب أنظار العالم

 

 

تشاو شواي**

تتمتع الحضارة الصينية بتاريخ عريق يمتد لأكثر من خمسة آلاف عام دون انقطاع. ومع ذلك، فقد تعرضت أعداد كبيرة من الآثار للتآكل التدريجي على مر السنين الطويلة، بل إن العديد من الآثار الثمينة ظلت لفترة طويلة تائهة في أراضٍ أجنبية بسبب النهب في الحروب، والتهريب غير المشروع، وغير ذلك من الأسباب. وفي الوقت الحالي، تستفيد الصين من المفاهيم والتقنيات الحديثة لتعزيز الحماية المنهجية للآثار واستخدامها بشكل حيوي، مما يعرض للعالم الممارسة الحية لـ"الصين الرقمية" في الحفاظ على الجذور الثقافية.

مع صدور سياسات مثل "الآراء المتعلقة بتعزيز تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للرقمنة الثقافية"، حقق جمع البيانات عالية الدقة المتعلقة بالآثار، وعرضها، واستخدامها، إنجازات جديدة باستمرار. فالحفظ الدائم، والاستخدام التفاعلي، و"الدمج الرقمي"، والترميم باستخدام الذكاء الاصطناعي (AI)، والمشاركة العالمية... كلها أمور تحققت بفضل تمكين التكنولوجيا الرقمية. ولم تقتصر إدارات التراث الثقافي على حماية الآثار الثقافية الهشة فحسب، بل مكنتها أيضًا من تجاوز قيود الزمان والمكان وإعادة إحيائها، مما فتح بُعدًا جديدًا لإرث الحضارة.

في متحف كهوف تيانلونغشان في مدينة تاييوان، بمقاطعة شانشي، يمكن للزوار مشاهدة التوزيع العالمي للآثار الثقافية المفقودة من خلال قاعة المعرض الرقمية، وتكبير الصور الرقمية وتصغيرها وتدويرها؛ لتقدير التفاصيل في جميع الاتجاهات. وتستخدم قاعة المعرض أيضًا التكنولوجيا لعرض تأثير "الاندماج" الافتراضي للتماثيل المفقودة وعودتها إلى مسقط رأسها. وقد تم التنقيب في كهوف تيانلونغشان على مدار العديد من السلالات، وفي العشرينيات من القرن العشرين، سُرق أكثر من 240 تمثالًا، وفُقد أكثر من 150 منها خارج الصين. ومنذ عام 2014، أطلق متحف كهوف تيانلونغشان وجامعة تاييوان للتكنولوجيا، بالتعاون مع جامعة شيكاغو الأمريكية، مشروعًا للترميم الرقمي، حيث تولت جامعة شيكاغو مسؤولية جمع الصور الرقمية للتماثيل الموجودة في الخارج، بينما تولت جامعة تاييوان للتكنولوجيا مسؤولية المسح الضوئي داخل الصين و"إعادة التجميع الرقمي". وتشمل الحالات المماثلة إعادة التماثيل المفقودة من كهوف شيانغتانغشان في مقاطعة خبي إلى موطنها الأصلي، والتعاون بين معهد دونهوانغ للأبحاث والمؤسسات في دول متعددة لتعزيز "العودة السحابية" للآثار الثقافية المفقودة، و"مشروع الإنشاء المشترك لعظام أوراكل الرقمية" في مقاطعة خنان، الذي مكّن ما يقرب من ألف قطعة من عظام أوراكل المفقودة في الخارج من العودة في شكل رقمي.

في المتحف الوطني للكتب الكلاسيكية في بكين، يمكن للزوار ارتداء نظارات الواقع الافتراضي للتجول افتراضيًا في القاعة الكبرى لمعبد شياوشيتيان في محافظة شي، بمقاطعة شانشي، لمشاهدة التماثيل المعلقة بأكملها، والتفاعل مع نقاط تفاعلية، والتحدث مع نسخة رقمية افتراضية من الراهب دونغ مينغ. ويعدّ معبد شياوشيتيان موقع تصوير لعبة "الأسطورة السوداء: ووكونغ"، ويضمّ ما يقارب 2000 تمثال معلق يعود إلى عصر أسرة مينغ، ويُعرف باسم "متحف فن التماثيل المعلقة الصيني".

تُعرض حاليًا في المركز الثقافي الصيني في باريس نسخة طبق الأصل من الكهف رقم 12 من كهوف يونقانغ، والتي عُرضت في شنغهاي لمدة ستة أشهر. وهذه أول نسخة متنقلة مطبوعة ثلاثية الأبعاد بنسبة 1:1 لكهف كامل في العالم، وقد تم تحقيقها بالتعاون بين معهد يونقانغ للأبحاث وجامعة تشجيانغ وغيرها، مما أرسى نموذجًا جديدًا للمعارض المتجولة للآثار الكبيرة غير القابلة للنقل. بالإضافة إلى ذلك، فإن التراث الثقافي الذي لا يُسمح بفتحه للجمهور بشكل كامل، مثل اللوحات الجدارية في مقبرة شو شيانشيو من عهد أسرة "بي تشي" في مدينة تاييوان، واللوحات الجدارية من عهد أسرة "جين" في معبد يانشان بمحافظة فانشي، أصبح بإمكان الزوار "رؤية" محتوياته الثمينة بفضل التكنولوجيا الرقمية.

تتميز المعارض الرقمية بسهولة التشغيل، وهي تسهم في تعريف العالم بالتراث الثقافي الصيني. وقد جالت المعارض الرقمية لحضارة "شو" القديمة، التي تمثلها "سانشينغدوي" و"جينشا"، في دول مثل بيرو، وفرنسا، والمملكة المتحدة، ومصر، واليونان. كما نظم معهد دونهوانغ للأبحاث معارض رقمية عن دونهوانغ في دول مثل النمسا، وألمانيا، وأوزبكستان. وأخذت النسخة المتحركة من لوحة "آلاف الأميال من الأنهار والجبال"، التي أنتجها متحف القصر الإمبراطوري بالتعاون مع قناة "فينيكس" التلفزيونية، الجماليات الشرقية إلى نيوزيلندا. وتمكّن التكنولوجيا الرقمية من الحفاظ على الآثار الثقافية الصينية بشكل دائم، وإعادة إحيائها، ومشاركتها على مستوى العالم، مما يضفي حيوية دائمة على التراث الثقافي.

 

**إعلامي صيني

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z