سلطان بن محمد القاسمي
ليس كل من يحصل على درجة الدكتوراه يبحث عن لقب يسبق اسمه، أو شهادة يعلقها على جدار مكتبه. فالأغلب يرى في الدكتوراه بداية مرحلة جديدة، يواصل فيها البحث والكتابة والإنتاج العلمي بعد سنوات طويلة من الدراسة والسفر والتضحية. لكن بعضهم يكتشف، بعد أن يعود إلى عمله، أن رحلته العلمية توقفت عند اللحظة التي كان يظن أنها البداية.
لدينا اليوم في الوزارات والمؤسسات الحكومية عدد كبير من حملة الدكتوراه. عادوا إلى أعمالهم وهم يحملون معرفة أعمق وخبرات أوسع، ووظفوا ما تعلموه في خدمة مؤسساتهم. وكثير منهم لم يكتف بذلك، بل واصل النشر في المجلات العلمية المحكمة، وشارك في المؤتمرات، وأعد الدراسات، وأصبح مرجعًا في تخصصه. ومع ذلك، يبقى مساره الأكاديمي متوقفًا، فقط لأنه لا يعمل داخل جامعة.
إذا كان الباحث في الجامعة، والباحث في الوزارة، ينشران في المجلات المحكمة نفسها، ويخضعان للتحكيم العلمي نفسه، ويشاركان في المؤتمرات العلمية نفسها، فما الذي يجعل أحدهما يواصل الترقيات العلمية، بينما يقف الآخر عند الدرجة التي حصل عليها منذ سنوات؟
العلم لا يسأل صاحبه أين يعمل، بل ماذا قدم. والبحث الرصين لا تزيد قيمته لأنه كُتب داخل جامعة، ولا تنقص لأنه خرج من وزارة أو مؤسسة حكومية. فالمعيار الحقيقي يجب أن يكون جودة الإنتاج العلمي، ومدى إسهامه في تطوير المعرفة وخدمة المجتمع.
والأجمل أن كثيرًا من الباحثين في المؤسسات الحكومية يملكون ميزة قد لا تتوافر لغيرهم. فهم لا يعيشون الجانب الأكاديمي فقط، بل يعيشون الواقع المهني بكل تفاصيله. فالقانوني يتعامل مع القضايا والتشريعات يوميًا، والطبيب يرى التحديات الصحية عن قرب، والمهندس يواجه المشروعات على أرض الواقع، ولذلك تأتي كثير من أبحاثهم من واقع التجربة، وتحاول أن تقدم حلولًا لمشكلات حقيقية، لا أن تبقى مجرد أفكار نظرية.
ولهذا نستغرب حين نتحدث باستمرار عن ضرورة ربط الجامعات بالمجتمع، بينما لدينا باحثون يجسدون هذا الربط بصورة طبيعية، ثم لا نتيح لهم فرصة استكمال مسيرتهم الأكاديمية.
ولا يعني هذا أن تُفتح أبواب الترقيات العلمية دون ضوابط، أو أن تُخفف الشروط المطلوبة. فمن يصل إلى مرتبة أستاذ مساعد، أو أستاذ مشارك، أو أستاذ، ينبغي أن يصل إليها بالمعايير العلمية نفسها المطبقة في الجامعات، من حيث جودة الأبحاث، والتحكيم العلمي، والاستشهادات، والإنتاج العلمي المستمر. والقضية ليست في تخفيف المعايير، وإنما في منح الفرصة لكل من يستطيع استيفاءها.
وهذا المقترح ليس بعيدًا عن الواقع، فعدد من الأنظمة الأكاديمية حول العالم يفتح المجال للاستفادة من خبرات الباحثين العاملين في الجهات الحكومية والمؤسسات المختلفة، إيمانًا بأن المعرفة لا تُنتج في مكان واحد، وأن الخبرة العملية تضيف قيمة حقيقية للتعليم والبحث العلمي. وليس المقصود نقل تلك التجارب كما هي، وإنما الاستفادة من أفكارها بما يتناسب مع الأنظمة الأكاديمية في سلطنة عُمان، مع المحافظة على جميع الضوابط والمعايير العلمية المعتمدة.
وقد يرى البعض أن عضو هيئة التدريس لا يقتصر دوره على البحث العلمي، بل يقوم أيضًا بالتدريس والإشراف الأكاديمي، وهذا صحيح. لكن هذا الجانب يمكن تنظيمه بطريقة تحقق الهدف، دون أن يتعارض مع طبيعة عمل الموظف الحكومي. فمن الممكن أن يُخصص لحملة الدكتوراه في الوزارات والمؤسسات الحكومية يوم واحد في الأسبوع لتقديم محاضرات في الجامعات، أو أن تستضيفهم الجامعات بصورة دورية وفق برامج منظمة، مع مراعاة طبيعة عملهم عند احتساب النصاب التدريسي، بحيث يحققون الحد الأدنى المطلوب بما يتناسب مع مسؤولياتهم الوظيفية، دون الإخلال بالمعايير الأكاديمية.
ولو تحقق ذلك، فستكون الفائدة للجميع. فالجامعة ستستفيد من خبرات عملية تعزز الجانب التطبيقي لدى الطلبة، والطالب سيتعلم من أشخاص يعيشون واقع المهنة كل يوم، والمؤسسة الحكومية ستحافظ على كفاءاتها، والباحث سيواصل رحلته العلمية دون أن يضطر إلى الاختيار بين وظيفته وطموحه الأكاديمي.
وهناك جانب آخر لا يقل أهمية. فكثير من المؤسسات تتحدث اليوم عن استبقاء الكفاءات الوطنية، وهذا هدف لا يتحقق بالحوافز المالية وحدها. فالباحث بطبيعته يبحث عن بيئة تشجعه على القراءة والكتابة والإنتاج العلمي. وإذا شعر أن كل ما ينجزه بعد الدكتوراه لن ينعكس على مستقبله العلمي، فمن الطبيعي أن يفقد جزءًا من حماسه، أو يبحث عن بيئة أخرى يستطيع فيها أن يواصل ما بدأه.
والمستفيد في النهاية ليس الباحث وحده، بل المؤسسة أيضًا. فكل دراسة ينشرها، وكل فكرة يطورها، وكل تجربة يوثقها، ستنعكس على جودة العمل، وتحسين الخدمات، ورفع كفاءة الأداء. وما تستثمره المؤسسة في باحث واحد، قد يعود عليها بعشرات المبادرات والأفكار التي يصعب قياس أثرها بالأرقام.
لسنا بحاجة إلى تغيير مفهوم الترقية العلمية، بقدر ما نحتاج إلى توسيع دائرة المستحقين لها. فالعلم لا يتوقف عند بوابة الجامعة، كما أن المعرفة لا تُولد داخل القاعات الدراسية وحدها. وفي كل وزارة، وفي كل مؤسسة حكومية، عقول تستحق أن تجد طريقًا تواصل من خلاله عطاءها العلمي؛ لأن الوطن هو الرابح الحقيقي عندما نمنح المعرفة فرصة لتتجاوز حدود المكان.
وربما حان الوقت لأن ننظر إلى الباحث بما يقدمه، لا بالمكان الذي يعمل فيه. فحين نفتح الباب أمام هذه الكفاءات لتواصل إنتاجها العلمي وفق معايير عادلة وواضحة، فإننا لا نخدم الباحث وحده، بل نخدم الجامعة، والمؤسسة، والأهم من ذلك كله، نخدم الوطن.
