التبرع بالدم... واجب إنساني ومسؤولية مجتمعية

 

 

د. حامد بن عبدالله البلوشي**

في حياة الإنسان نعمٌ لا تُعدُّ ولا تُحصى، ومن أجلِّها وأعظمها نعمةُ الدم الذي يجري في العروق صامتًا، لكنه يحمل سرَّ الحياة، ويغذي الأعضاء، وينقل الأكسجين والغذاء إلى خلايا الجسد، فتستمر به الحياة، وتنبض به القلوب. وإذا توقف جريان الدم، أو فقد الإنسان مقدارًا كبيرًا منه، أصبحت حياته مهددة بالخطر. ومن هنا كان الدم، منذ أقدم العصور، رمزًا للحياة، وأصبح توفيره للمرضى والمصابين أحد أهم مقومات الأمن الصحي في المجتمعات الحديثة.

ولقد شاءت حكمة الله تعالى أن يجعل الإنسان خليفةً في الأرض، وائتمنه على عمارتها وإصلاحها، وهيأ له من النعم والأسباب ما يعينه على أداء هذه الرسالة العظيمة، فلم يجعل ما بين يديه من نعم حكرًا عليه، وإنما أمانات يؤدي حقها، وينتفع بها، وينفع غيره. فالمال، كما أنه وسيلة لقضاء الحاجات وتحقيق الملذات، فإنه كذلك إغاثة لمحتاج، وعون لمُعْوِز، والعلم رسالة تُبنى بها الحضارات وترتقي بها الأمم، والوقت رأس مال العمر الذي تُعمر به الأرض. كذلك فقد وهب الله الإنسان دمًا يجري في عروقه، قد تكون قطرةٌ منه سببًا في إنقاذ حياة إنسان آخر. ومن هنا، فإن التبرع بالدم يتجاوز كونه إجراءً طبيًّا، ليصبح رسالةً إنسانيةً سامية، وتجسيدًا عمليًّا لمعنى الاستخلاف، وصورةً مشرقةً من صور المسؤولية المجتمعية التي تتجلى فيها معاني الرحمة والإيثار والتكافل.

ويُعد التبرع بالدم من أرقى صور العطاء الإنساني؛ لأن المتبرع لا يقدم فائضًا من ماله وما يمتلكه، بل يمنح جزءًا يسيرًا مما وهبه الله له، دون انتظار مقابل، أو معرفة بمن سيصل إليه هذا العطاء. إنه موقف يلتقي فيه الطب بالأخلاق، والعلم بالإيمان، فتتحول دقائق قليلة يقضيها المتبرع في مركز التبرع إلى أمل جديد لمريض ينتظر النجاة.

وما زال الدم البشري، رغم التقدم العلمي الهائل، بلا بديل صناعي يؤدي وظائفه الحيوية كاملة، مما يجعل التبرع المنتظم المصدر الأساسي لإنقاذ الأرواح وضمان استمرار الخدمات العلاجية.

وتبرز أهمية التبرع بالدم في حاجة آلاف المرضى إليه كل يوم؛ فمصابو الحوادث، ومرضى العمليات الجراحية الكبرى، ومرضى السرطان، والثلاسيميا، وفقر الدم المنجلي، والنساء اللاتي يتعرضن للنزيف أثناء الولادة، وضحايا الكوارث والأزمات الإنسانية، جميعهم قد تتوقف حياتهم على توفر وحدة دم في الوقت المناسب. وفي مثل هذه المواقف، قد تكون قطرة دم واحدة هي الفاصل بين الحياة والموت.

وقد أولت الشريعة الإسلامية عناية عظيمة بحفظ النفس الإنسانية، وجعلت ذلك من مقاصدها الكبرى، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: 32)، وهي آية ترسخ قيمة إنقاذ الإنسان، وتجعل من كان سببًا في حياته كمن أحيا البشرية كلها. كما دعا الإسلام إلى التعاون والإحسان، فقال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة: 2)، وقال النبي ﷺ: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». ومن هذا المنطلق، فإن التبرع بالدم صورة عملية من صور البر، ووسيلة لتحقيق مقاصد الشريعة في حفظ النفس، وتجسيد لمعاني الأخوة الإنسانية التي لا تميز بين غني وفقير، أو جنس ولون، أو وطن وآخر.

ولا يقتصر أثر التبرع بالدم على إنقاذ المرضى، بل يمتد إلى بناء مجتمع أكثر تماسكًا وتراحمًا؛ فهو يعزز ثقافة العطاء، ويغرس قيم المسؤولية والتكافل، ويجعل الإنسان أكثر شعورًا بواجبه تجاه الآخرين. فالمتبرع لا يسأل عن هوية من سينتفع بدمه، وإنما يرى في كل إنسان نفسًا كرَّمها الله سبحانه، تستحق أن تُحفظ حياتها، وتصان كرامتها.

ومن هنا، لم يعد التبرع بالدم مسؤولية فردية فحسب، بل مسؤولية مجتمعية تتكامل فيها أدوار الجميع. فالمؤسسات الصحية مطالبة بتوفير بيئة آمنة وسهلة للمتبرعين، وضمان جودة الدم وسلامة إجراءاته، بينما يقع على عاتق المؤسسات التعليمية نشر الوعي بين الطلاب، وترسيخ ثقافة التبرع باعتبارها سلوكًا حضاريًّا. كما يؤدي الإعلام دورًا مهمًّا في تصحيح المفاهيم الخاطئة، وإبراز النماذج المضيئة، وتشجيع المبادرات التطوعية، إلى جانب إسهام مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص في تنظيم الحملات الوطنية، وتكريم المتبرعين المنتظمين.

ولعل من أبرز مظاهر وعي المجتمعات ألا تنتظر وقوع الأزمات حتى تبحث عن المتبرعين، بل تعمل على بناء مخزون آمن من الدم يكفي الاحتياجات اليومية والطارئة. فالكوارث والحوادث الجماعية والأزمات الصحية قد ترفع الحاجة إلى الدم بصورة مفاجئة، ولا يمكن مواجهة ذلك إلا بوجود ثقافة راسخة للتبرع المنتظم، يدرك أصحابها أن ما يقدمونه اليوم قد يكون غدًا سببًا في إنقاذ قريب، أو صديق، أو إنسان لا يعرفونه.

وقد أثبتت الدراسات الطبية أن التبرع بالدم، عندما يتم وفق الضوابط الصحية، يحقق فوائد متعددة؛ فهو ينقذ حياة المرضى، ويمكنهم من استكمال علاجهم، كما يتيح للمتبرع الاستفادة من الفحوصات الطبية الدورية، ويساعد جسمه على تجديد خلايا الدم وفق الإرشادات الطبية، فضلًا عن الأثر النفسي العميق الذي يشعر به حين يعلم أنه أسهم في إنقاذ حياة إنسان. أما المجتمع، فيجني ثمارًا تتمثل في تعزيز الأمن الصحي، ورفع جاهزية المستشفيات، وتقوية روح التضامن بين أفراده.

وفي هذا المقام، لا يسعنا إلا أن نثمّن الجهود المباركة التي تبذلها وزارة الصحة في السلطنة، ممثلةً في بنوك الدم المنتشرة في مختلف المستشفيات، وما تقوم به من تنظيم متواصل لحملات التبرع بالدم وفق أعلى المعايير الطبية والتنظيمية، بما يضمن توفير مخزون آمن ومستدام من الدم. كما تستحق الكوادر الطبية والفنية والإدارية، والمتطوعون المشاركون في هذه الحملات، كل التقدير والعرفان على ما يبذلونه من جهود مخلصة في خدمة المجتمع وصون الأرواح. ولا يقل إشراقًا عن هذه الجهود ذلك الوعي المجتمعي الراسخ الذي يتحلى به أبناء عُمان، وما يبدونه من استجابة متنامية لمبادرات التبرع بالدم، في صورة حضارية تجسد قيم التكافل والتراحم والتعاون التي عُرف بها المجتمع العُماني عبر تاريخه. وإن هذه الروح النبيلة تبعث على التفاؤل بمستقبل يترسخ فيه التبرع المنتظم بالدم ثقافة مجتمعية راسخة، لا ترتبط بظرف طارئ أو نداء عاجل، بل تنبع من وعي الإنسان بمسؤوليته تجاه أخيه الإنسان.

إن التبرع بالدم ليس عملًا عابرًا، ولا استجابةً لموقف طارئ فحسب، بل هو ثقافة حضارية تعكس رقي المجتمع، ومظهرٌ من مظاهر المسؤولية المجتمعية، ودليل على قوة قيمه الإنسانية. وهو في الوقت نفسه عبادة يُبتغى بها وجه الله، ورحمة تمتد إلى المرضى والمحتاجين، وعمل وطني يعزز أمن المجتمع الصحي. فلنجعل التبرع بالدم عادة راسخة، وسلوكًا مستدامًا، نترجم به معاني الرحمة والإيثار إلى واقع عملي، ونؤكد أن أعظم ما يملكه الإنسان ليس ما يدخره لنفسه، بل ما يقدمه حياةً وأملًا لغيره. فمن أحيا نفسًا بقطرة دم، فقد كتب لنفسه أثرًا يبقى في الدنيا، وأجرًا يدوم عند الله، وخيرًا يجري في عروق الآخرين كما يجري الدم في شرايين الحياة.

 

**مدير عام شبكة الباحثين العرب في مجال المسؤولية المجتمعية

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z