عادل الحمداني**
منذ أيام تتردّد في مخيلتي تساؤلات قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنّ كلما تعمقت فيها أجدها أكثر تعقيدًا: متى فقد العالم ألوانه؟ لماذا لم نعد نراها في الحياة من حولنا؟ أين ذهبت؟ هل تلاشت أم توقفنا عن رؤيتها؟ هل سُرقت منا تلك الألوان بهدوء دون أن نلحظ اختفاءها؟ أم تُرى اعتدنا غيابها دون أن ننتبه لذلك؟
أتذكر جداتنا، كيف كنّ يصنعن الألوان في كل شيء من حولهن. أتذكر بيوتًا قديمة كانت تنبض بالألوان، كما هي الحياة في ذاك الوقت من الزمن. الألوان كانت حاضرة في كل شيء تقريبًا؛ في الملابس، وفي الأقمشة، وفي أواني الطبخ، وفي الأبواب والنوافذ، وفي الحرف التي يصنعها الرجال والنساء بشغف وحب لا نظير له. لم تكن الألوان لديهم آنذاك زينة زائدة عن الحاجة، ولم تكن خارجة عن روح شخصيتهم. كانت جزءًا من قلوبهم.
أتذكر اللون الأحمر وهو يعلن حضوره بثقة، والأخضر حين يبعث في المكان الحياة، والأصفر الذي يمنح الدفء والحنان، والأزرق وما يصنعه من أثر هادئ في الذاكرة وفي النفس البشرية.
لم نكن نشعر بغرابة تلك الألوان، ولم تشعر البيوت بالخجل من الألوان التي تطرز كل شيء فيها، ولم يكن الناس يتوارون عن الأنظار في حضرة تلك الألوان. ثم فجأة حدث شيء أخذ من الحياة ألوانها؛ دفعها إلى التراجع عن المشهد. اختفت الأبواب التي كانت تميز الأحياء القديمة، وتراجعت النوافذ الملونة، وبهُت بريق الأسواق. حتى ملابس الناس صارت أكثر تحفظًا وأقل جرأة مما كانت عليه من قبل.
اختفت تلك الألوان، وحل مكانها اللون المفضل لعالم مختلف وغريب عنا. لونٌ رمادي نراه في المباني الحديثة، وفي المكاتب، وفي الأجهزة التي نستخدمها يوميًا، وفي المركبات التي تملأ الطرقات. رماديٌّ يأتي أحيانًا متخفيًا في هيئة الأبيض أو الأسود أو الفضي أو بدرجات الألوان المحايدة التي أصبحت في كل مكان تقريبًا.
أتصور الآن أن لتلك الألوان جرأة سكنت حياة الناس في الماضي. جرأة اختفت، فصرنا اليوم نتجول بين المدن في مختلف القارات فلا نشعر إلا بتشابهها. التصاميم نفسها، وواجهات المباني نفسها، والألوان نفسها. الاختلاف الوحيد: الأسماء، واللهجات، واللغات، والوجوه، وقليل من ثقافات بعض المدن في اللباس وتصاميم العمران. المشهد البصري يكاد يكون المتفق عليه بين تلك المدن.
يومًا ما، وأنا أتجول في المدينة الزرقاء، سيدي بوسعيد، لم أدرك كيف استطاعت تلك الزرقة أن تأسرني وتجبرني على العودة إليها مرات عديدة. لم أكن أعي أن جرأة المدينة باختيارها للأزرق في الأبواب والنوافذ وواجهات المحلات هي ما جعلني أسيرًا للمدينة. جرأة حرّكت فيَّ رغبة الكتابة، فكانت روايتي "أميرة بنت تونس" تأخذ في بعض زواياها تفاصيل تلك المدينة. مدينة لم تخجل من لونها الذي قدّمها إلى العالم. ومدن أخرى قليلة جدًا هنا وهناك تمسكت باختيار جريء للون ينبض بالحياة.
يبدو أن العالم الحديث قد صنع لنفسه وضعًا مختلفًا. ربما أصبح أكثر ميلًا إلى البساطة التي تحولت إلى نمط بارد متكرر. ربما تكون للصناعات الكبرى وللتصاميم العالمية يد فيما يحدث، فدفعت الناس، دون أن يشعروا، إلى أن تكون لهم ذائقة واحدة لم يختاروها. وربما لأن الألوان التي تلاشت لا تنسجم مع الأناقة التي يُروج لها بكثرة من خلال الموضة الحديثة، والإعلانات، ومنصات التواصل الاجتماعي.
في المقابل، اختفت الألوان من مكان، وانتشرت في مكان آخر. تراجعت من الأشياء المحيطة بنا، وسطعت في الأجهزة التي نحملها بين أيدينا. أصبحت الشاشة تقدم عالمًا مختلفًا مشبعًا بالألوان المتحركة والمؤثرات البصرية، حتى بات الكثيرون يجدون بهجتهم البصرية فيها أكثر مما يجدونها في حياتهم اليومية، وفي الأشياء من حولهم.
رغم ذلك، ما زلت أرى بصيص أملٍ في مكان ما، وأن شيئًا من تلك الألوان باقٍ، ويمكن لها أن تعود. يمكننا أن نجدها في القرى القديمة، وفي الأسواق التقليدية التي يبدو أنها تتمسك بقوة بألوانها، وفي الحرف اليدوية التي يمزج ممتهنوها ألوان الأجيال السابقة، وفي المهرجانات التي تحرص على أن تقدم للناس ما يذكرهم بالألوان وحكاياتها.
حين نرى تلك الألوان في تلك الأماكن، ندرك أنها ليست درجات بصرية تلتقطها العيون، بل إنها ذاكرة تحتفظ بلغة عاطفية لا يمكن نسيانها، حتى وإن لم يعد هناك من ينطقها أو يفهمها. ندرك أنها الطريقة المُثلى لتذكر الأماكن والناس والأيام.
عودة تلك الألوان هي الطريقة الصحيحة لعودة التنوع الذي نفتقده الآن، وهي السبيل الوحيد لاستعادة الهوية التي انصهرت وسط كل هذا التشابه الذي يغلف العالم من حولنا. أقول: أعيدوا إلى العالم ألوانه، لأن تلك الألوان أكثر جمالًا من اللون الرمادي المحايد، ولأن الحياة تكون أكثر دفئًا حين تحوي ألوانًا مختلفة، وبلا شك أكثر إنسانية وقدرة على تجسيد حياة الناس.
** كاتب وإعلامي عُماني
