التنشئة في عصر التحولات الرقمية وتحديات الهوية

 

 

د. محمد بن خلفان العاصمي

التنشئة الاجتماعية هي العملية التي يكتسب من خلالها الفرد القيم والمعارف والمهارات والعادات وأنماط السلوك التي تمكنه من التفاعل مع مجتمعه، وتساعده على تكوين شخصيته وهويته والقيام بأدواره الاجتماعية بصورة مناسبة. وهي عملية تبدأ منذ الطفولة وترافق الإنسان طوال حياته، وتتشكل عبر المؤسسات المحيطة به، مثل الأسرة، والمدرسة، والأصدقاء، ووسائل التواصل الاجتماعي، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الثقافية والدينية، والمحيط الاجتماعي للفرد.

وتهدف التنشئة الاجتماعية إلى بناء شخصية الإنسان المتوازنة من خلال بناء قيمه الذاتية ومبادئه الأساسية ومهاراته وقدراته واتجاهاته وميوله، وإدماجه في المجتمع، وبناء هويته وانتمائه، وتنمية وعيه وقدرته على التفكير، وتهيئته لممارسة حياته والانخراط في الحياة الاجتماعية، وإكسابه قيم المواطنة الصالحة، ومساعدته على التكيف مع التحولات التي تشهدها المجتمعات بشكل مستمر، وجعله أكثر قدرة وفعالية على مواجهة الحياة الاجتماعية وتحدياتها.

لقد غيرت الثورة الرقمية والتكنولوجية مفهوم التنشئة وأدواتها، فأصبحت أكثر اتساعًا، فبينما كانت الأسرة والمدرسة والمجتمع والمسجد والإعلام التقليدي هي مصادر التنشئة الأساسية، دخل الفضاء الافتراضي كأحد أهم وسائل التنشئة الاجتماعية، بل أخذت وسائل التواصل الاجتماعي دور بعض المؤسسات التي كانت المصدر الرئيسي لهذه العملية. هذا الاتساع الذي لم يعد مسيطرًا عليه يشارك بشكل مباشر في صياغة قيم ومبادئ المجتمع، ويتداخل مع الواقع الاجتماعي ليفرض نفسه بقوة كمؤثر أكثر قدرة على التأثير من غيره، وهذا الاختلاف في المفهوم والأدوات كان له تأثير سلبي كبير على المجتمع.

لقد أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي تحولًا في صناعة الرأي وقيادة التوجهات الفكرية والاجتماعية والسياسية لدى المجتمعات. لقد قامت هذه الوسائل بدور كبير في ما عرف بالربيع العربي، كما أنها تقوم بدور محوري في كل توجيه أو أدلجة سياسية وفكرية منذ بدايتها وحتى يومنا. يقول جوستاف لوبون في كتابه سيكولوجية الجماهير: (إن الفرد عندما يندمج في جمهور كبير لا يتصرف بالطريقة نفسها التي يتصرف بها منفردًا، بل تتغير نفسيته وسلوكه، ويصبح أكثر قابلية للتأثر بالعاطفة والإيحاء، وأقل ميلًا إلى التفكير النقدي والعقلاني)، وهذا بالضبط ما تقوم به وسائل التواصل الاجتماعي التي تذهب بالفرد إلى سياسة القطيع كما تسمى، حيث يجد نفسه منساقًا إلى سلوكيات معينة غير مفهومة بالنسبة إليه، ولا يبذل جهدًا في فهمها.

هذا التحول والسيطرة الذي فرضته وسائل التواصل الاجتماعي صاحبه غياب أو ضعف دور المؤسسات الاجتماعية التي كانت تضطلع بدور التنشئة في المجتمع، فالأسرة استسلمت لعصر التكنولوجيا الحديثة، وأصبحت ترى في هذه الحالة بعدًا تقدميًا لا يمكن تجاوزه، بل إنها أطلقت العنان لهذه التكنولوجيا حتى تغلغلت في مفاصل التربية الخاصة بها، وأهملت كثير من الأسر جانب المتابعة والرقابة والاهتمام، وفقدت مسؤوليتها بشكل طوعي لصالح المجتمع الافتراضي الذي يعيش فيه الأبناء وقتًا طويلًا في اليوم، وهذا التحول في الواجبات والمسؤوليات مرجعه الأساسي هو تغيير مفهوم الأسرة حول التطور والتميز الذي بات البعض يحصره في الثقافة التكنولوجية.

أما المدرسة والمسجد والأصدقاء والمجتمع الصغير المحيط والإعلام، فجميعها تراجع دورها بشكل ملحوظ. لقد أصبح ارتباط الطالب بالمدرسة ارتباطًا معرفيًا فقط، وتراجع الهدف الوجداني الذي كان ملازمًا للتربية والتعليم في ظل عدم قدرة المناهج على التأثير في هذا الجانب بشكل أكبر مما يحصل عليه الطالب من الخارج، ورغم المحاولات المستمرة لمعالجة هذه المشكلة العالمية، إلا أن هناك فجوة بين الواقع والمأمول لا بد من تقليصها لتعود المدرسة إلى مكانتها الأساسية في عملية التنشئة الصحيحة، خاصة مع ما نشاهده من تحولات وتحديات وآثار لدى كثير من المجتمعات.

لم يقتصر تأثير هذا التحول في التنشئة على مستوى القيم والمبادئ الأخلاقية العامة، بل إن الهوية الوطنية والثقافة الدينية كان لهما نصيب من هذا التحول الاجتماعي الذي طرأ على المجتمع، فتأثير التنشئة الخاطئة يمتد أثره إلى مرحلة تضع المجتمع في مواجهة الفرد. هذه المواجهة التي تنتج صدامات ومواجهات وخلافات تنقل الفرد من بناء المجتمع إلى هدمه ومعارضته وعدم احترام واجباته تجاه الآخرين، وهنا يحدث الاغتراب الثقافي وتضارب القيم والمبادئ، وتتشكل لدى الفرد اتجاهات سلبية نحو الحياة الاجتماعية التي يعيشها، ونحو المجتمع وأفراده، ويمتد هذا ليشمل الوطن بأكمله. لقد ساهم العصر الرقمي في إحداث تحولات أبعد مما يظنه البعض.

وحتى لا نسهب في وصف الحال الذي ساهمت فيه التكنولوجيا في مجال التنشئة الاجتماعية، لا بد من الذهاب إلى الحلول التي يمكن أن تعيد كفة الميزان إلى مستوى التوازن. ولا شك أن لهذه التكنولوجيا الكثير من الفوائد والإيجابيات التي لا يمكن تجاهلها، والتي هي أكثر بكثير من سلبياتها التي نشأت نتيجة الاستغلال الخاطئ لها، لذلك لا بد من أن تعود مؤسسات المجتمع المعنية بالتنشئة لتمارس دورها الريادي في هذا الجانب، وعليها أن تقود المبادرة إلى تغيير الواقع الاجتماعي الذي بتنا نراه اليوم، وعلى الأسرة والمدرسة والمجتمع والإعلام وغيرها من المؤسسات الاجتماعية أن تراجع أدوارها، وأن تتكيف مع المتغيرات الجديدة، وأن توظف التكنولوجيا من أجل صياغة نموذج جديد للتنشئة الاجتماعية يتماشى مع التطور التكنولوجي، ويستغل هذا التطور التكنولوجي في تحقيق الأهداف الاستراتيجية للمجتمع.

ولن يتحقق هذا التحول إلا من خلال وجود خطة وطنية استراتيجية شاملة، تقوم على تحديد الأولويات والأهداف، وتُبنى على أساس الاستخدام الأمثل والمسؤول للتقنية، وتعزز المناعة الفكرية، وتزيد الوعي العام لدى الفرد، وتحقق التوازن بين الانفتاح على العالم والمحافظة على الهوية الوطنية، واستثمار التنشئة من أجل صناعة إنسان ممكن قادر على مواجهة العالم الخارجي، باعتبار أن الإنسان هو أساس الأمن الثقافي والفكري، ويجب أن نبدأ فورًا في هذا العمل، لأن كل وقت يمضي دون حراك يخلق تعقيدًا أكبر في هذه القضية الفكرية.

الأكثر قراءة

z