قليل من الخبث الكروي يكفي

 

 

عوض المغني

كثيرًا ما تكررت خسارة المنتخبات العربية والفرق المحلية، تحديدًا في الوقت القاتل من المباراة، حيث يُصاب الفريق في مقتل!!

وغالبًا ما يُعزى ذلك إلى تأثر المخزون اللياقي، ولكن ماذا عن غياب كلٍّ من الواقعية التكتيكية أو الخبث الكروي؟!

في أدبيات الأندية الأوروبية يُعرف "الدهاء أو الخبث الكروي" بالسلاح الأبيض، حيث تبرز ممارسات من قبيل تضييع الوقت المتبقي بتناقل الكرة قرب التماس أو ركنية الخصم، أو استفزاز النجوم، والسقوط المتكرر (غالبًا لدى الفرق اللاتينية)، والوصول أحيانًا إلى التشتيت الممنهج للكرة. والواقعية التكتيكية في هذا العرف تقول: القبول بالنتيجة الإيجابية، كالتقدم على الخصم في آخر أوقات المباراة، وانتظار إما صافرة الحكم أو الاحتكام إلى الأوقات الإضافية، وذلك بعيدًا عن السذاجة في التعامل، سواء بالاندفاع غير المحسوب أو الاستنزاف، وبالتالي الخسارة المؤلمة!!

فغياب عنصر "الخطأ التكتيكي" في لحظات حرجة من المباراة قد يدفع ثمنه الفريق بفقدان الألقاب، فانتقال الكرة من منطقة جزاء الخصم إلى مرمى فريقك بلا تصرف معين غير مقبول ولا معقول، خاصة وأن مصير الفريق على المحك، كاللقطة الشهيرة لانفراد لاعب أتلتيكو مدريد موراتا، وتصرف فالفيردي، لاعب ريال مدريد، في نهائي السوبر الإسباني في جدة.

تتميز الكرة العربية عمومًا بالمهارة الفطرية، والابتكار الفردي، ولكنها في الوقت نفسه تعاني من نقص شديد في عناصر أخرى لا تقل أهمية في منهجيات الكرة الحديثة، في مقدمتها التأسيس السليم للاعب. ويرتبط التأسيس السليم بتلقيه أساسيات ضرورية منذ الصغر بأسلوب علمي منهجي، كالاستلام والتسليم في وضعيات مختلفة، ما يتيح للاعب الخروج الصحيح والسلس بالكرة في مواقف الضغط، بدلًا من تعطيل اللعب ببطء التنفيذ وتأخر القرار. وبجانب التأسيس الكروي، تبرز الحاجة إلى الصلابة الذهنية، فالتوتر والاندفاع العاطفي والشد العصبي يكلف الفرق العربية الكثير في الأوقات الحرجة من المباراة، والأخطر لو انتقل ذلك التوتر من المدرب ذاته، فيفقد حينها دفة القيادة الحكيمة، وتنتقل العدوى إلى اللاعبين داخل الملعب.

والبعد عن المثالية في حل معضلة الدقائق الأخيرة نقطة مهمة، فالاصطدام بالواقع والفوارق الفنية الكبيرة للفرق الأوروبية يحتم التفكير بواقعية، بالتخلي عن الجمع بين الأداء الممتع والنتيجة، والاكتفاء بالنتيجة، احترامًا للخبرة والإمكانات الكبيرة للمنافس، وقدرته على العودة وتغيير النتيجة، من مبدأ: "عصفور في اليد، ولا عشرة على الشجرة".

فلا بأس بشيء من الدهاء الكروي، فنظرتنا الرومانسية للكرة العالمية يقابلها نظرة ميكيافيلية (الغاية تبرر الوسيلة) لدى ممثلي تلك الكرة، حيث استغلال كل الفرص بالوسائل المتاحة، فكيف لو امتد الوقت بدل الضائع إلى 10 دقائق؟!

وكي لا نعيش دور الضحية، ونلقي باللائمة على التحكيم والتنظيم، علينا إدراك ماهية لعبة كرة القدم الحديثة بوصفها صناعة تدر الأموال، ويخضع اللاعب، كموظف، حال تقاعسه في تحقيق النتائج، أو التصرف في الأوقات الحرجة، إن تطلب الأمر ارتكاب الأخطاء.

في الأخير، الدعوة إلى الدهاء الكروي ليست بالضرورة تحويل اللاعب إلى شخص انتهازي وشرير، بل نقله من السذاجة الفنية إلى الذكاء التكتيكي، وحسن التصرف في الأوقات الحرجة داخل الملعب، بعيدًا عن الاندفاع العاطفي غير المحسوب، فليست كل المعارك تُكسب بالأخلاق وحدها، أحيانًا يكون البرود مطلوبًا لتحقيق النصر.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z