ريم الحامدية
أتذكر ذلك الصوت الذي كان يأتينا من آخر المجلس: «سلِّم على عمّك». كنا نمد أيدينا الصغيرة دون أن نسأل لماذا، ونقف أمام الكبار بذلك الاحترام الفطري الذي لم نحتج يومًا إلى أن نتعلمه من كتاب.
وكان يكفي أن تهمس لنا أمهاتنا: «خفوا صوتكم، المجلس فيه ضيوف»، فنصمت سريعًا، لا خوفًا من العقاب، بل لأننا كنا نشعر أن للمكان هيبته، ولمن فيه قدره.
وكان يكفي أن تلمح أعينهن كوبًا تركناه في غير مكانه، فنعود لنرتبه، وكأن ترتيب الأشياء من حولنا كان تدريبًا مبكرًا على ترتيب شيءٍ أعمق في داخلنا. لم نكن نعرف وقتها أننا لا نتعلم مجرد عادات صغيرة.
لم نكن نعرف أن تلك التفاصيل العابرة كانت ترسم ملامح الإنسان الذي سنصبحه بعد سنوات.
ففي بيوتنا الأولى، لم تكن التربية كلمات تُقال، بل حياة تُعاش.
لم تكن تلك البيوت واسعة كما نعرف اليوم، ولم تكن تحمل الكثير من مظاهر الرفاهية، لكنها كانت تملك شيئًا لا تمنحه المساحات الكبيرة؛ كانت تعرف كيف تصنع الدفء.
كان الباب لا يُفتح للضيف فقط، بل للفرح الذي يأتي معه. وكان المجلس أكثر من مكانٍ للجلوس؛ كان مساحةً تحفظ الحكايات، وتصون الأسرار، وتجمع القلوب قبل الأجساد.
كان الضيف إذا دخل، شعر أنه لم يأتِ إلى بيتٍ غريب، بل إلى مكانٍ يعرفه منذ زمن.
وكانت القهوة تُصبّ بمحبة قبل أن تُصبّ في الفناجين، وكانت الدعوات تُقال بصدق قبل أن يُغلق الباب خلف آخر الزائرين.
لم تكن تلك التفاصيل تُسجل في الذاكرة لأنها كبيرة، بل لأنها كانت حقيقية.
تعلمنا أن سرّ المجالس لا يخرج من أبوابها، وأن الكلمة التي تُقال عن غائب قد تكون أثقل مما نتخيل، وأن القلوب لا تحتاج دائمًا إلى مواقف عظيمة كي تُجرح؛ أحيانًا تكفيها جملة عابرة لا ينتبه صاحبها إلى أثرها. ومنهم تعلمنا أن جبر الخاطر ليس موقفًا استثنائيًا، بل طريقة حياة.
أتذكر أيضًا كيف كان الرحيل من الأماكن له أدبه الخاص. لم يكن أحد يغادر مجلسًا ويترك خلفه فوضاه. تُرتب المقاعد، وتُعاد الأشياء إلى أماكنها، ويُمسح أثر الجلسة قبل الرحيل.
لم يكن الأمر متعلقًا بكرسي، أو كوب، أو مكان. كان درسًا صامتًا يقول لنا: إن الإنسان الجميل لا يمر في حياة الآخرين مرورًا عابرًا، إنه يترك المكان أفضل مما وجده، ويترك القلوب أكثر راحة مما كانت عليه.
ثم كبرنا، وكبرت معنا المدن، وتغيرت البيوت، واتسعت الغرف، وأصبحت الأشياء أكثر سهولة، لكننا اكتشفنا مع الوقت أن بعض الأشياء التي كانت بسيطة لم تكن قليلة القيمة.
فقدنا أحيانًا تلك العفوية التي كانت تجعل السؤال عن الحال حقيقيًا، والزيارة قريبة، والاعتذار سريعًا، والقلوب أكثر انتباهًا لبعضها.
صرنا نعرف كيف نبني بيوتًا جميلة، لكن التحدي الأكبر أن نبني داخلها أرواحًا جميلة.
أن نعلّم أبناءنا أن النجاح ليس فقط في الوصول، بل في الطريقة التي يصلون بها.
وأن القوة ليست في القدرة على الرد، بل أحيانًا في القدرة على اختيار اللطف.
ولهذا، حين نلتقي إنسانًا يحرص على كلماته، ويحفظ أسرار الناس، ويعتذر دون أن ينتظر الطلب، ويغادر الأماكن تاركًا وراءه أثرًا طيبًا... نشعر أن خلفه حكاية جميلة.
ربما كان هناك بيتٌ قديم علّمه ذلك. بيتٌ لم يكن يملك الكثير من الأشياء، لكنه منحه أغلى ما يمكن أن يمنحه مكانٌ لإنسان: أن يعرف كيف يكون إنسانًا.
وربما لهذا السبب، حين نمر اليوم بجانب بيتٍ قديم، لا نتوقف عند الجدران التي غيّرتها السنين، ولا عند الأبواب التي فقدت لونها، بل نبحث عن شيءٍ آخر، نبحث عن أصواتٍ كانت تملأ المكان، وعن رائحة قهوةٍ كانت تأتي مع المساء، وعن ضحكاتٍ لم تكن تحتاج إلى مناسبة.
عن وجوهٍ كانت تجعل البيت بيتًا. نبحث عن النسخة الأولى من أنفسنا...
تلك التي كانت تفرح بالقليل، وتعتذر بسرعة، وتخاف أن تثقل على أحد.
فإذا عدت يومًا إلى بيت طفولتك، ولم تجد الباب الذي كنت تعرفه، ولا المجلس الذي حفظ أحاديثكم، ولا الوجوه التي كانت تمنح المكان روحه...
فلا تحزن. فالبيوت الحقيقية لا تسكن الجدران، إنها تسكن الذين خرجوا منها.
وربما أجمل وفاءٍ لتلك البيوت، ألا نبقى أسرى الحنين إليها، بل أن نحملها معنا أينما ذهبنا؛ في طريقة كلامنا، وفي احترامنا للناس، وفي خوفنا من كسر الخواطر، وفي الأثر الذي نتركه خلفنا. فبعض البيوت تهدمها السنين، وبعض البيوت، كلما ابتعدنا عنها، اكتشفنا أننا لم نغادرها أبدًا.
