لين 5

 

 

فاطمة الحارثي

قلت له: "ما سمعت أبوي؟"، وضرب بيده على الجدار فوق رأسي، وسألني مرة أخرى. ارتسمت على وجهي ابتسامة جانبية، وقمت، وبمجرد أن أعطيته ظهري وهممت أصعد الدرج لأعود إلى غرفتي، صرخ وقال: "أنا أكلمك!"، أكملت بضع سلالم، وأنا أقول دون أن ألتفت: "ومن أنت، ومن سمح لك تصرخ فيّ؟" تملكني الغضب، وكنت أنتفض منه، وبقي والدي مشاهدًا لم يتدخل، وكنت قد بلغت ثنية السلالم، ورأيت والدي وهو يضع يده كحاجز عندما أراد الرجل أن يلحق بي، وقال له بقوة: "ما من حقك"، ثم قال والدي: "تعالي، يومه، ما تخافي، يسألون أسئلة ويروحون"، فسألت: "ومن هم؟"، فرد: "من الأمن، يبحثون في قضية"، وقلت: "وأنا شكو، هو غصب؟"، فتحدث الرجل الذي كان يقف في الخلف: "لا، أب، غصب"، وسحب الرجل الذي صرخ ليعود للخلف، وتقدم هو نحوي، ونظر إلي بوجه مستمتع وهو يبتسم، وذكر اسمه، فتوقفت عن الصعود، وأدرت رأسي إليه، وطلب أن أجيب على بعض الأسئلة البسيطة؛ لأنها ربما ستنقذ حياة، وقلت له: "لا تسأل شيئًا أنت تعلم إجابته"، فضحك، وبدأ بطرح الأسئلة. كانت أسئلته مباشرة وصريحة، تظهر علمه بالكثير عن "لين"، وحسب طرحه، هم يعتقدون أنها وقعت في مصيدة، وقال إنهم يريدون إنقاذها، فسألته: "هل سبق أن تقدمت بشكوى؟"، بهت وجهه قليلًا، وقال: "لا، لكن والدها يبحث عنها"، فسألت: "ليقتلها؟"، فقال: "وهل فعلت ما يستحق القتل؟"، قلت: "لا أعلم"، ثم طلب من والدي أن يغادر ويدخل إلى المجلس، لم أهتم، ودخل شخص ثالث المنزل، ودخل الذي كان يصرخ مع والدي المجلس، ثم طلب مني الجلوس، فتقدمت إلى منتصف السلالم وجلست قبالته، وجلس هو عند بداية السلم، وقال لي: "هل تمانعين إذا قام هذا الرجل"، وأشار إلى الوافد الجديد، "بتدوين أقوالك؟"، قلت: "لا"، وبدأت بسرد ما حصل لي، لم يقاطعني إلا مرة واحدة ليسأل عن رقم السيارة، إن كنت قد حفظته، فأجبت بنعم، وأعطيته الرقم، وأخبرتهم أن في هاتف منزلنا كاشفًا يحفظ الأرقام، ويستطيع أن يتأكد منها، فابتسم وقال: "لا عليكِ، نستطيع أن نسحب الاتصالات بأوقاتها وتفاصيلها"، وبعد سردي سألني: "هل هناك شيء آخر تريدين قوله؟"، نظرت إليه مطولًا، ثم قلت: "لا"، وهم بالوقوف وهو يقول: "هل ممكن نعود إليك إذا كان لدينا أسئلة أخرى؟"، فقلت له: "ما أعرف، اسأل أبوي"، فنظر إلي وهو يخرج قائلًا: "أنتِ شجاعة"، وغادروا جميعًا.

جاء والدي وسأل: "ماذا قلت لهم؟"، فأجبت بأنني أعطيتهم رقم السيارة السوداء التي كانت تدور حول المكان، وهي ذاتها التي رأيتها عندما خرجت البنت من جهة بيتنا وركبت تلك السيارة، ومعلومات عن "لين" زميلتي التي اختفت، ثم أردفت: "أنا تعبت، أريد أن أنام"، وتوجهت إلى غرفتي ونمت.

لم أرَ "لين" بعدها لأسابيع، ثم ظهرت فجأة قبل الامتحانات النهائية، ونهش القيل والقال سكينة الصف، فمنهم من قالوا: وجدوها بعد أسبوعين، ومنهم من قالوا: تزوجت رغمًا عن أهلها، ومنهم من قالوا: هي حامل. لم أعر اهتمامًا لأيٍّ مما قيل، كانت تنظر إليّ من بعيد، وكنت أشيح ببصري كلما التقت عيناي بعينيها. بعد شهرين تقريبًا من الواقعة، ومع نهاية العام الدراسي، انتقل أهل "لين" وغادروا المنطقة، ولم يسكن ذلك المنزل أحد بعدهم لسنوات طوال، ولم أتحدث عمّا حصل لي مع أحد في المدرسة.

سافر والدي إلى الخارج في إجازته السنوية، قبل انتهاء الاختبارات النهائية، وكنت أخرج كل بضعة أيام مع أخي الصغير، لأشتري نواقص البيت من دكان الحارة. أتت أخت لين يومًا، أثناء عودتي من الدكان، وأرادت الحديث معي، لم أتقبل الأمر، لكن طلبها أتى بتوسل ورجاء، وقالت إنهن لا يستحققن مسامحتي، ومع ذلك هي تريد أن تخبرني بالحقيقة حتى أنتبه لنفسي. نظرت إليها، وأكملت حديثها، وبينت لي أن الأمر كله كان عبارة عن رهان بين الشباب، وبالرغم من المساعدة التي تلقاها الشباب منها ومن "لين"، إلا أن عذرها أنها أحبت الشاب صاحب السيارة الحمراء، ولين تعلقت بالشاب صاحب السيارة السوداء، وكنَّ يأملن أن يترك الشباب الاهتمام بي، ليحظين بفرصتهن، فالمغتربات في ذلك الوقت كان أقصى أحلامهن الزواج من شباب البلد، حتى تستقر حياتهن، ثم أقسمت أن مشاعرها ومشاعر أختها صادقة للشابين، ولم يقصدا إيذائي، لكن جل تركيز الشباب كان كسب الرهان. لم أنطق ببنت شفة، وأردفت: "لين حصلت على ما أرادت، فلكي يتنازل والدها عن القضية، وافق على الزواج من لين، لكنها ليست متأكدة كم سيدوم زواج الحيلة والتهديد". اشمأزت نفسي وهممت بالتحرك لأبتعد عنها، وقالت: "فاطمة، لحظة، أريد أن أكون مع..."، قاطعتها، وقلت لها: "وما يعنيني أنا؟ غدرتِ بصداقتنا، وعرضتِني للخطر، لماذا لم تقولي لي شيئًا؟ خذلتِني من أجل رجل حقير، لن تعيشي معه، حتى وإن أجبره طيشه على الزواج منها، لن ينسى كيف تزوجها، وأنتِ، ما شأني أنا بمشاعرك؟ وليش تعيشوا إنتوا مقابل التضحية بي؟". سرت في جسدي موجة غضب، وابتعدت عنها رافضة قبول أو تصديق كلامها، وأنا أحتقر كل شيء عنهما، ولم تتم كلامها أبدًا؛ لأنني لم أسمع عن تلك الأسرة بعدها.

بعثرة...

الآن، ونحن في عام 2026م، أي بعد عقود من الواقعة، لم تمحُ الأيام الخيانة والخذلان من الذاكرة، أنانية البعض قد تغتال الصدق، وتدمر حيوات لا ذنب لها إلا أنها مرت كسحابة صيف في حياتهم، لا الحب ولا الحاجة عذرًا للغدر والظلم، تعلم أنك مفارق.

الأكثر قراءة

z