العطلة القضائية والتسوية الودية: تقاطع المهام وتكامل الأدوار

 

 

د. أحمد بن محمد بن راشد الهنائي**

ahmed120.law@gmail.com

 

جرى النظام القضائي في سلطنة عُمان -كسائر الأنظمة القضائية المقارنة- في تحديد العطلة القضائية لجهات التقاضي في مختلف أنواع المحاكم، وعلى اختلاف درجاتها، وذلك خلال الأشهر يوليو وأغسطس وسبتمبر من كل عام، مع تفاوت بسيط فيما بين الأنظمة المقارنة في هذا الشأن.

في المقابل، تستمر الجهات المعنية بإجراءات التسوية الودية في القيام بالدور المناط بها في حلحلة الخلافات والدعاوى المعروضة عليها، بغية تقريب وجهات النظر بين المتخاصمين للوصول إلى حل يتوافق مع الطرفين ويحقق رغبتهما في إنهاء الخلاف بينهما.

وبالنظر إلى كون العطلة القضائية طويلة نسبيًا، خاصة بالنسبة للمتقاضين، لما يترتب عليها من إطالة أمد التقاضي وزيادة التكاليف والأعباء المالية عليهما. وفي ضوء ما أبانت عنه التجارب العملية في التسويات الودية من إنهاء تلك الخلافات، فقد يكون من المناسب استعراض هذا الموضوع وفقًا للتفصيل الآتي:

أولًا: العطلة القضائية: ضرورة حتمية للجهات القضائية وآثار سلبية للمتقاضين:

لا جرم أن العطلة القضائية ضرورة حتمية يفرضها الواقع العملي، حيث إن القضاة القائمين على مرفق القضاء والساهرين على قوامه، يكونون بحاجة إلى محطة من الراحة والهدوء بعد عام قضائي مستمر ومتواصل مليء بالبحث والتحري والدراسة في مختلف الدعاوى القضائية.

ولئن كان ذلك، وبالتسليم بصحة وسلامة تحديد العطلة القضائية، إلا أن تلك العطلة يقابلها آثار سلبية على حقوق المتقاضين، لعل أبرزها: إطالة أمد التقاضي بدل التسريع من وتيرته والبت في موضوع الدعوى، عوضًا عن التكلفة والعبء المالي اللذين يتكبدهما المتقاضيان نتيجة تلك العطلة، وغيرها من الآثار الأخرى كسرية المعلومات وسرعة الفصل في الدعوى.

 

ثانيًا: التسوية الودية: حلول ناجعة بين الحضور والغياب في الثقافة المجتمعية:

لا مندوحة من أن التسوية الودية تقوم على تحقيق العديد من الأهداف، لعل أهمها: إنهاء النزاعات بسرعة وكفاءة، وتقليل التكاليف على المتخاصمين، والمحافظة على العلاقات الأسرية والتجارية والمهنية، والوصول إلى حلول مرنة تحقق مصالح الطرفين المتخاصمين، بالإضافة إلى كونها تعزز ثقافة الحوار والتوافق في المجتمع.

وبالرغم من جملة الأهداف النبيلة التي تحققها التسوية الودية، إلا أن المتتبع للشأن القضائي العُماني يلاحظ أن ثقافة التسوية الودية ما زالت غائبة، ومحدودة في بيئة المجتمع المحلي -كقضاء بديل عن القضاء العادي- لذلك يلجأ كثير من الأفراد والمؤسسات إلى القضاء العادي مباشرة للحصول على حقوقهم. لذا تكون التسوية الودية المحطة التالية وليست الأولى في نظر كثير من المتقاضين، عوضًا عن غيابها من الأصل -لدى كثير من المتخاصمين -عند اللجوء إليها.

ثالثًا: تقاطع المهام وتكامل الأدوار بين القضاءين العدلي والبديل:

لا مشاحة في القول إن القضاءين العادي والبديل يهدفان إلى تحقيق غاية واحدة تتمثل في إعادة الحقوق إلى أصحابها، ولئن اختلفت البنية المؤسساتية والاختصاص الوظيفي لكل منهما، وكذا الأهداف والمبادئ الأساسية التي تحكمهما. لذا فإن القضاءين العادي والبديل يكملان بعضهما من حيث الأدوار المناطة بأي منهما.

وبالنظر إلى ما أبانت عنه التسوية الودية من حلول ناجعة في وأد الخلافات وحلحلة غير قليل من الدعاوى القضائية، وفي ظل ما يفرضه الواقع القضائي من وجوب تمتع القضاة القائمين على مرفق القضاء بالعطلة القضائية، فقد يكون من المناسب تفعيل وتعزيز دور القضاء البديل -التسوية الودية- وذلك بدراسة التوصيات الآتية:

  • قيام المشرع العُماني بإصدار قانون يُعنى بالوساطة والتسوية الودية.
  • قيام المجلس الأعلى للقضاء بتفعيل آلية التسوية الودية عن طريق إصدار الآلية الإجرائية المناسبة بتوجيه المتقاضين إلى القضاء البديل عن القضاء العادي بشكل عام، وأثناء سريان العطلة القضائية على وجه الخصوص.
  • قيام المجلس الأعلى للقضاء بتفعيل دور القضاء البديل من حيث تنظيم بنيته المؤسساتية واختصاصه الوظيفي، والقائمين عليه.
  • خلق قناة تواصل بين القضاءين العدلي والبديل لتسهيل إجراءات إثبات ما يتم التوصل إليه من تسويات ودية.

 

**رئيس وحدة الوساطة والتسوية الودية، ودكتوراة في القانون الدستوري والعلوم السياسية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z