كريستيانو وصلاح وميسي… وصانع النعوش

 

د. سالم خالد الرميضي

قبل عامين أثناء الدراسات العليا عرفت زميلًا أجنبيًا كان أحدًا من في القاعة وأكثرهم نضجًا، رغم صغر سنه. تحدّد نقاشاتنا فيكتفي بالبصامة بوضعها إذا التفت العيون، ولكنه ما إن يتكلم حتى تنصت جميعًا؛ فلكلماته وزن ووقار، وفي نبرته سكينة من يعرف عن الحياة أكثر مما تعرف.
سألته يومًا وقد جمعتنا زاوية من زوايا الكلية:
«من أين لك كل هذا الوقار وأنت لم تتجاوز عشرينياتك بعد؟»
فضحك وقال: «ربما لأن نشأتي تختلف عن نشأتكم كلكم! سألته: وكيف تجزم بهذا؟»
فقال: «أنا سليل عائلة تصنع النعوش والتوابيت منذ قديم الزمان عن كابرًا.»
وعندما قرأ الدهشة في وجهي قال:
«تخيّل… أن أكثر ما يخيف البشر هو مصدر رزقنا الوحيد. فنحن والموت أصدقاء تقريبًا. أذكر أني رفعت رأسي عند هذه الجملة. فإذا بالزملاء حولنا متحلقين ينصتون، مع العلم أن الحوار كان فرديًا في البداية.
ثم حدّثني بما لن أنساه ما حييت عن قصة جده حين احتضاره، وكيف أملى على والده مواصفات التابوت الذي يريد أن يدفن فيه — نوع الخشب، ولونه، وطريقة صنعه، وكل تفصيلة من تفاصيله بهدوء ووقار كمن يوصي على حاجة تجلب له من السوق!
وعن والده أيضًا الذي شابه جده إلى حد كبير ومن يشابه أباه فما ظلم. إذ قال لي: إن أباه حين بلغ الستين صنع تابوته بيديه، وأوصى صديقنا: أن يدفنه فيه. حملتُ هذه الحكاية وقفًا ولم أكن أعلم أين ستنتهي.»
يمكن أن أرويها… وكيف جاء هذا المونديال.
فلم أثبت عيني هذه المرة على النتائج، بل على الوجوه: موردينيش يلوّح للوداع، ونيمار يسجل ركلة الجزاء الأخيرة ويمضي، وكريستيانو الذي عاند الزمن أطول مما عانده أحدٌ يخوض معركته الأخيرة، وصلاح يودّع القميص الذي أسعد به ملايين العرب، وميسي — سواء ساعدته الفيفا على الفوز هذه المرة أيضًا أو خسر — فهو يعلم والعالم معه أنها الأخيرة. الكبار يخرجون واحدًا إثر واحد، بينما يبرز خلفهم جيل جديد متعطش مثل أمبابي، لامين، بيلينغهام والوالدان ينتظرون طريقًا يُقرَش.
فقد يطيل الكبير شوطَه الأخير ويؤجل النهاية برهة ولكن كما قال الأول: فما نيل الخلود بمستطاع.
وهنا التقت الحكايتان: رجل يصنع تابوته بنفسه بسكينة الواثق الوقور، ونجومٌ يختارون معاركهم الأخيرة بكرامة المكتمل. فأعظم الكبار إذن ليس من قاوم النهاية حتى أدركته عاجزًا، بل من صنعها بيده كما يصنع الفنان تحفته الأخيرة، ولا يرحل إلا حين يبلغ عطاؤه حد الاكتمال.
ومن هذا المعنى وُلدت هذه القصيدة عن صانع النعوش الذي قرّر أن يكون آخر أعماله… نعشه هو بعنوان (التحفة الأخيرة).
التحفة الأخيرة
يَهْرُبُ النَّاسُ مِنْ لِقَاءِ الْمَنَايَا
صَانِعُ النَّعْشِ عَلِمَ الْمَوْتَ لُطْفًا
كُلَّ نَعْشٍ يَصُوغُهُ فَقَصِيدُ
صَاحِبِ الْمَوْتِ فِي الدُّرُوبِ أَنِيسًا
لَمَحَ الشَّيْبَ فِي الْمَرَايَا فَأَصْبَغَ
كَانَ يَبْنِي لِلرَّاحِلِينَ مَلَاذًا
قَالَ: أَبْنِي لِيَ الْأَخِيرَ بِكَفِّي
وَانْحَنَى يَنْحَتُ الْحِكَايَةَ نَفْشًا
كُلَّ خَطٍّ صَدَّى لِعُمْرٍ تَقَضَّى
وَبَكَى، لَا لِأَنَّهُ خَافَ مَوْتًا
وَعَلَى الْبَابِ ظَلَّ فَجْرٍ جَدِيدٍ
قَالَ لِلظَّيِّ: خُذْ فُنُونِي إِرْثًا
إِنَّمَا النَّجْمُ إِنْ تَطَاوَلَ لَيْلًا
قَدْ يُطِيلُ الْكَبِيرُ آخِرَ شَوْطٍ
كَمِلَتْ تُحَفَّةُ الْوَدَاعِ فَأَعْنِي
وَهْيَ تَحْكِي عَنِ الْخُلُودِ مَقَالًا
إِنَّ مَنْ يَصْنَعُ الْجَمَالَ سَيَبْقَى
وَهْوَ فِي نَعْشِهِ يَفِيضُ نَوَالًا
هَكَذَا يَرْحَلُ الْكِبَارُ كِرَامًا
 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z