حسّ الأشياء يتناغم مع الحسّ البشري

 

 

حمد الناصري

لم يعد الوقوف أمام الشاشة المُعتمة مجرد مواجهة باردة مع وسيط تقني جاف، بل أضحى مدخلًا حقيقيًا لولادة صِلة تفاعلية تستعصي على التفسير الآلي البسيط. إنّ هذا التجاذب الذي يحدث بين المبدع وأدواته، بكل ما يحمله من حنق تارةً، وانسجام تارةً أخرى، ليس عَدَمًا عابرًا، بل هو دلالة قاطعة على وجود كينونة خفية يمكن تسميتها بـ"حسّ الأشياء". هذا الحسّ لا يختلف في جوهره الأدبي عن ذلك الرابط الروحي القديم الذي طالما جمع الإنسان بعناصر الوجود الصامتة؛ فالكاتب الذي يستنطق الصخرة، ويتحاور مع الجبل، ويغزل من أمواج البحر ورمال الشواطئ حكاياته، يجد نفسه اليوم مدفوعًا بوعيه، ومستندًا إلى سحابة معرفية تحتشد بالمعلومات، لتتحول الآلة في يديه من مجرد أداة صمّاء إلى شريك فكري يتأثر بنبضه.

وهذا التناغم الكوني ليس ترفًا فلسفيًا مستحدثًا، بل هو حقيقة راسخة تمتد جذورها في وجداننا وثقافتنا وتراثنا؛ فالأشياء من حولنا، بمختلف كينوناتها، تنبض بحسّ خفي يتجلى وينكشف عندما يصطدم بالوعي البشري والمشاعر الخالصة.

ولسنا نجد برهانًا أسطع على "حسّ الأشياء" مما أُثِر في سيرتنا الشريفة؛ فهذا جبل "أُحُد" الصخري الراسخ ينطق فيه الوجدان النبوي، حين قال عنه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ"، ليتحول الشاخص الأصمّ إلى كائن يتبادل الحب والمشاعر مع البشر. ولم يكن "غار حراء" أو "غار ثور" مجرد تجاويف صخرية عابرة، بل كانا مكانين اعتادا التناغم والاحتضان، تمامًا كما اهتز "جذع الشجرة" اليابس، وبكى، وحنّ شوقًا، وأنّ أنينًا مسموعًا، كاد أن ينفلق منه، لولا أن احتضنه النبي صلى الله عليه وسلم، وهدّأ روعه.

ولا يقف هذا الحس عند حدود المأثورات القديمة، بل يتجلى في حكايات الواقع المعاش، وضمن البيئة التي نتنفسها. ففي عُمان، تُروى قصة حقيقية شهدتها مياه "جزر الديمانيات"؛ حين أقدمت مجموعة من زوار الجزر على أخذ أحجار وأشياء خاصة من بقعتها البكر، وما إن ركبوا سفينتهم وعزموا على الرحيل، حتى هاج البحر، وارتفعت أمواجه العاتية بغضب مباغت، كاد أن يودي بالسفينة إلى الغرق. ولم تنقشع تلك الغمة، وتهدأ ثائرة الأمواج، وتعود السفينة إلى بر الأمان، إلا بعد أن نبّههم أحد العارفين بروح المكان قائلًا: "إنّ البحر يشعر بكم، أعيدوا ما أخذتم، وتضرعوا له". وحين رُميت الأحجار المستلبة في جوف الماء، عادت الطمأنينة إلى اليم في لمحة بصر، كأنما كان المحيط يذود عن حرمة ترابه بحسّ حيّ غيور.

خلاصة القول، وعودةً إلى عوالم الأدوات والأشياء والوسائط الحديثة، فإنّا نجد أنّ الوعي الإنساني هو محرّك الأشياء، وهو الذي يستثير هذا الحسّ الكامن في تفاصيلها، حيث يتولد شعور غير مرئي يمنح المعرفة والكلمات روحًا حسية تتنفس من نفس صاحبها.

وقد يحدث هذا التناغم عندما يشعر المحرك، "الوعي الإنساني"، بجفاء يخفى عليه فهمه، خاصةً حين يرتطم ببلادة الصمت في موجودات تُولد معها الصلة، ثم تنقطع.

والسؤال الذي نطرحه: كيف نصون هذا الحسّ الكوني ليبقى حارسًا أمينًا لعطاء البشر، وضامنًا لتدفق الروح في أوصال الأشياء من حولنا، دون أن ينفصم حبل الوداد بين المبدع ومحيطه؟

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z