عنتريات ترامب

حاتم الطائي يكتب:

◄ ترامب يمارس "العنتريات" دون أن تكون له قدرة حقيقية على تنفيذ تهديداته

حرب ترامب ونتنياهو حوّلت طهران إلى قوة إقليمية غير مسبوقة

همجية الإدارة الأمريكية تؤكد أن نجم هذه الإمبراطورية آخذٌ في الأفول

 

أستطيع أن أُجزم بأنَّ الإيرانيين أصبحوا أكثر الأشخاص فهمًا ومعرفةً بطبيعة شخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأنهم الأقوى تكتيكيًا ودبلوماسيًا وتفاوضيًا منه ومن إدارته التي جلبت الخراب والدمار للعالم، اقتصاديًا وسياسيًا؛ فالمفاوض الإيراني اليوم لم يعُد يتعاطى مع تصريحات ترامب على أنَّها صادرة من مسؤول حقيقي عن أمن واستقرار أمته والعالم كذلك، لكنهم يقرأون تصريحاته من منظور الشخصية النرجسية الباحثة عن أي انتصار وهمي يُقنع به مُؤيديه أنَّه يمضي على الدرب الصحيح، وأنَّه بالفعل "جعل أمريكا عظيمة مُجددًا"، وهو ما لم يحدث، وإنما يقود الولايات المُتحدة إلى عصر الأفول والاضمحلال، تمامًا كما حدث مع "الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس" قبل عقود!

ترامب يمارس ما نسميه في ثقافتنا العربية "العنتريات"، أي استعراض القوة والنفوذ دون أن تكون له قُدرة حقيقية على تنفيذ تهديداته أو وعيده. ترامب الذي يقف مأزومًا اليوم في البيت الأبيض، بين أزمات اقتصادية تؤرق الناخب الأمريكي، الذي سيرُد الصاع صاعين للحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، وبين أزمات عسكرية بعد انزلاقه إلى مستنقع الحرب مع إيران؛ حيث تكبد الجيش الأمريكي خسائر فادحة، وتعرَّضت قواعده في المنطقة لقصف عنيف أسفر عن خروج الكثير منها من الخدمة، علاوة على اهتزاز صورة "العسكرية الأمريكية"، وتفوُّق إيران عسكريًا وتكتيكيًا على الولايات المتحدة. ترامب اليوم أشبه ببطة عرجاء؛ إذ لا يستطيع السير بطريقة متوازنة في اتخاذ القرارات السياسية والعسكرية والاقتصادية، كما أنَّه غير قادر على مواجهة الداخل الأمريكي، الذي يستشيط غضبًا من ارتفاع التضخم وزيادة الأسعار، ولا سيما أسعار المحروقات من وقود وخلافه، وارتفاع تكلفة المعيشة دون زيادة حقيقية في الدخول والرواتب.

ومنذ أن تولى فترته الرئاسية الثانية، والرئيس الأمريكي يراكم المشكلات واحدة تلو الأخرى، مُدعيًا أنه يُنقذ العالم من الحروب والصراعات، لكنه في حقيقة الأمر يُشعل النيران في كل بقعة حول العالم، وخاصةً في منطقتنا العربية، التي يسمونها "الشرق الأوسط"، مُقدمًا كل سبل الدعم والمساعدات لدولة الاحتلال الصهيوني، ومُسلِّمًا رقبته لمجرم الحرب بنيامين نتنياهو؛ حيث تمكّن هذا الأخير من إقناع ترامب بالحرب على إيران، وبالفعل نجح في دفعه إلى هذا المنزلق الذي لن يخرج منه ترامب ولا أمريكا كما كانا عليه من قبل. وسيكتب التاريخ أنَّ الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران كانت المحطة الفاصلة في تاريخ الولايات المتحدة، وفي مراحل تحولها من قوة عظمى إلى أمة مُشتتة، أهدرت مكانتها وقوتها بسبب مغامرة عسكرية غير محسوبة، وبدفع من مجرم حرب صهيوني، من أجل تحقيق أهداف وطموحات حمقاء وغير واقعية.

حرب ترامب ونتنياهو على إيران حوّلت الجمهورية الإسلامية إلى قوة إقليمية غير مسبوقة، وبدون سلاح نووي، ولا حتى صواريخ باليستية، فقد برهنت الحرب على أنَّ سلاحًا فتّاكًا حسم هذه الحرب، وهو السلاح الذي لم تحسب له أي قوة حسبانًا.. إنه سلاح مضيق هرمز، ذلك المجرى الملاحي المائي الضيق الذي يربط الخليج العربي بالعالم الخارجي، ويمُر من خلاله حوالي 25% من طاقة العالم، من نفط وغاز، علاوة على أنَّه المنفذ البحري الوحيد لعدد من دول الخليج، والذي اعتمدت عليه هذه الدول طيلة عقود في التصدير والاستيراد. وبسبب هذه الحرب الحمقاء، نجحت إيران في فرض قوتها ميدانيًا، وبات كل تصريح يخرج من القيادة الإيرانية حول المضيق كفيلًا بتغيير مسار أسعار الطاقة وحركة العملات وأسعار الأسهم والسلع حول العالم. كما تمكّنت القيادة الإيرانية من فرض شروطها كاملةً على أمريكا في مذكرة التفاهم التي أُبرمت قبل أسابيع، ودفعت الطرفين إلى وقف إطلاق النَّار، حتى لو انتهكت أمريكا ودولة الكيان الصهيوني هذه المذكرة، لكنها تظل الورقة الدبلوماسية الحاسمة التي سطَّرت ملحمة الصمود الإيراني في وجه قوة عسكرية غاشمة، وهذا الصمود هو ما يُثير غضب الأمريكيين ومن ورائهم الصهاينة، لأنهم فشلوا فشلًا ذريعًا في تدمير إيران أو إزاحة النظام الحاكم، وكل ما رسموه من خطط وما راودهم من أحلام، تبخَّرت وذهبت أدراج الرياح، بفضل القوة الإيرانية التي صمدت أمام كل هذه المخططات، حتى مع اغتيال المرشد الأعلى وجميع القيادات السياسية والعسكرية، إلّا أن إيران برهنت على أنها دولة عميقة، ومتجذرة، وثابتة كالوتد في تربة التاريخ الإنساني، ولا يُمكن لكائن من كان أن يقتلعها أو يُهددها، فالأمم صاحبة الحضارات راسخة رسوخ الجبال التي نقشت عليها تاريخها، وتملك اعتزازًا بنفسها لم ولن تفهمه الأمم الطارئة على التاريخ، أمثال الأمريكيين، ولا الشعوب اللقيطة والتائهة في الأرض، أمثال الصهاينة ومن عاونهم وأيدهم.

اليوم.. نجد ترامب ينصاع مُجددًا لوساوس مُجرم الحرب نتنياهو، ويُعاود العدوان على إيران، مُهددًا مصير مذكرة التفاهم، ومُستدعيًا شبح الحرب الكريهة مرة ثانية، فقط لأنَّ هذا المجرم الصهيوني لا يُريد أن ينسحب من لبنان كما نصَّت مذكرة التفاهم، ويسعى إلى مواصلة العدوان على لبنان الجريح، لأنَّ في ذلك استمرارًا لسُلطته وبقائه في الحكم. نتنياهو يسعى للبقاء في منصبه حتى الموت، لأنَّ هذه هي الوسيلة الوحيدة لتفادي المحاكمات الجنائية داخليًا ودوليًا، أما غير ذلك فمصيره السجن، إمَّا بسبب قضايا الفساد المتورط فيها، أو بسبب الفشل العسكري والأمني منذ 2023، أو بسبب محاكمته القائمة في المحكمة الجنائية الدولية، وما قد يُستجد من أي محاكمات أخرى.

في المُقابل، ترامب لا يملك صلاحية شن حرب على إيران، ولذلك يمضي مُغمض العينين وراء مجرم الحرب نتنياهو، من خلال عمليات عسكرية محدودة، فقط من أجل الحديث عن انتصار وهمي لا معنى له، وللزعم بأنَّه صاحب اليد العُليا في هذه الحرب، وأيضًا لمواصلة الضغط على إيران، خاصةً فيما يخص مضيق هرمز والرسوم المُقرر فرضها مقابل الخدمات أو ما يُمكن الاتفاق عليه مع الأطراف المعنية فقط، صاحبة السيادة.

ويبقى القول.. إنَّ الهمجية التي باتت الإدارة الأمريكية تتعامل بها في مُختلف الملفات الحيوية والحساسة حول العالم، تؤكد أنَّ نجم هذه الإمبراطورية، التي قامت على أنقاض الأمم المغلوب على أمرها، والتي استفادت وربحت من مُقدرات الشعوب المظلومة، آخذٌ في الأفول، وأن الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران ستكون هي كلمة السر في تفعيل شفرة التدمير الذاتي لما يُسمى بـ"الحضارة الأمريكية".

الأكثر قراءة

z