د. إبراهيم بن سالم السيابي
يُحكى أن رجلًا فاحش الثراء، لكنه كان أغنى بأخلاقه من أمواله، عُرف بين الناس بكرمه وحسن خلقه، فلا يرد محتاجًا، ولا يغلق بابه في وجه سائل، حتى أحبه الناس وأحاطوه بالمودة والاحترام. وفي أحد الأيام، بينما كان يسير في الطريق، لمح رجلًا مشرَّدًا تبدو على وجهه آثار التعب والحاجة. رقَّ له قلبه، فمد إليه يده ببعض المال. أمسك المشرَّد يده برفق، وتأملها طويلًا، ثم قال: "هذه اليد الكريمة... لم يبق لها في الدنيا الكثير".
ابتسم الرجل، وعدَّ ما سمعه مجرد كلمات عابرة لا تستحق الوقوف عندها، ثم مضى في طريقه، وسرعان ما نسي الأمر.
ومرت الأيام، حتى أُصيب بمرض شديد أقعده في فراشه. تنقل بين الأطباء والعلاجات، لكن حالته كانت تزداد سوءًا، حتى بدأ من حوله يتهامسون بأن أيامه أصبحت معدودة.
حزن عليه أهله وأصدقاؤه، فالرجل لم يكن ثريًا فحسب، بل كان صاحب قلب كبير عرفه الناس بالخير والإحسان. وكان الزوار يتوافدون عليه يومًا بعد يوم، يحملون الدعاء وكلمات المواساة، بينما كان هو، بين الألم والصمت، يستعيد شريط حياته.
وفجأة، عاد إلى ذاكرته ذلك المشرَّد الذي قابله قبل أشهر، وكأن كلماته كانت تنتظر اللحظة التي يضعف فيها الجسد وتصفو فيها الذاكرة. فأمر بالبحث عنه وإحضاره.
ولما حضر، سأله: "كيف عرفت أن أيامي أصبحت معدودة؟". ابتسم المشرَّد وقال: "من رعشة يدك".
ازداد الرجل دهشة، وقال: "وماذا تقصد؟". أجابه بهدوء: "ابحث بين أهلك وأصدقائك ورفاقك... وانظر من منهم لم يأتِ لزيارتك". ثم انصرف، دون أن يضيف كلمة أخرى.
أخذ الرجل يستعرض أسماء أقاربه ورفاقه واحدًا بعد آخر، فلم يجد أحدًا غاب عن زيارته سوى رجل واحد، كان يومًا أقرب الناس إليه؛ صديقًا وأخًا ورفيق رحلة، جمعتهما سنوات طويلة من الثقة والعمل، قبل أن تنتهي تلك العلاقة بقطيعة قاسية بسبب اتهام بخيانة الأمانة في تجارة جمعتهما.
وبينما كان غارقًا في الذكريات، استأذن أحدهم بالدخول. رفع رأسه، فإذا به ذلك الصديق.
دخل بخطوات مترددة، واعتذر عن تأخره، موضحًا أنه كان خارج المدينة حين سمع بمرضه، ثم دعا له بالشفاء، وكأن السنوات التي فرقتهما لم تكن.
استمع إليه المريض بصمت، وما إن همَّ الرجل بالمغادرة حتى ناداه: "قبل أن ترحل... أخبرني، لماذا خنت الأمانة؟". ساد صمت ثقيل، ثم قال الرجل بصوت هادئ: "لم أخن الأمانة".
وسكت لحظة، ثم تابع: "في ذلك اليوم تعرضت القافلة التي تحمل بضاعتنا لهجوم من قطاع الطرق، وسُرق جزء كبير منها، وكان نصيبك من الخسارة الأكبر. كنت أعلم أنك وضعت فيها معظم مالك، فخشيت أن تكون الصدمة عليك قاسية. فبعت أرضي، وبيتي، وكل ما أملك، وجمعت المال وسلمته لك. لم يكن يعوض خسارتك، لكنه كان كل ما أستطيع تقديمه".
ثم أطرق برأسه وقال: "لكن حين وصل إليك المال، ظننت أنني بعت البضاعة بثمن أكبر وأخفيت عنك الحقيقة. حاولت أن أشرح، لكنك اخترت الظن... ثم اخترت البعد".
ارتجفت شفتا الرجل المريض، واغرورقت عيناه بالدموع، وفي لحظة واحدة انهار كل ما بناه الظن عبر سنوات، واكتشف أن الرجل الذي اتهمه بالخيانة كان أوفى الناس له.
مد يده إليه، وتمسك بها طويلًا، واعتذر بحرقة، ورجاه ألا يحرمه من صحبته فيما بقي من عمره.
مرت الأيام، والعجيب أن حالته بدأت تتحسن شيئًا فشيئًا، حتى تعجب الأطباء من عودته التدريجية إلى عافيته، وكأن الذي كان يثقله لم يكن المرض وحده، بل حملٌ ثقيل استقر في قلبه سنوات. ولعل الشفاء الحقيقي... لم يكن شفاء الجسد، بل شفاء القلب.
فكم من ألم نحمله في صدورنا سنوات طويلة، لا سببه المرض، ولا الفقر، ولا تقلبات الحياة، بل ظن أخطأنا فيه، أو حكم أصدرناه على عجل، أو رواية سمعنا نصفها فبنينا عليها يقينًا كاملًا.
لقد خسر كثير من الناس أصدقاء أو أقارب أو شركاء، ليس لأن الحقيقة كانت مؤلمة، بل لأنهم اكتفوا بما ظنوه حقيقة، ولم يمنحوا الطرف الآخر فرصة ليروي قصته. فالحقيقة لا تُعرف دائمًا من أول رواية، ولا تُبنى الأحكام على نصف الوقائع.
والحياة تعلمنا أن الناس ليسوا دائمًا كما تبدو أفعالهم لأول وهلة. فخلف كل موقف ظروف لا نعرفها، وخلف كل صمت قصة لم تُروَ، وخلف كل غياب عذر قد لا نراه، لأننا ننظر أحيانًا بأعين الظن أكثر مما ننظر بأعين الإنصاف.
ولذلك جاء التحذير الإلهي واضحًا في قوله تعالى في سورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾.
وليس المقصود أن نحسن الظن في كل الأحوال، أو أن نتغافل عن الأخطاء، وإنما أن نمنح الحقيقة فرصة، وأن نستمع قبل أن نحكم، وأن نتحرى قبل أن نُدين. فالعدل لا يقوم على الظنون، وإنما يقوم على البينة والإنصاف.
وفي الختام، قبل أن نحكم على الناس، فلنستمع إليهم. وقبل أن نغلق أبواب قلوبنا، فلنمنح الحقيقة فرصة أن تظهر. وقبل أن نهدم جسورًا بُنيت بسنوات من الود، فلنتأكد أن ما نحمله من ظن أقوى من الحقيقة نفسها.
فليس كل من ابتعد خائنًا، وليس كل من صمت مذنبًا، وليس كل ما نظنه حقيقة هو الحقيقة. وأحيانًا... لا يكون أصعب ما في الحقيقة أنها غابت عنا، بل أننا عرفناها بعد فوات الأوان.
