مونديال 2026: بطاقة صفراء في وجه الفيفا

 

 

أنور الخنجري

alkhanjarianwar@gmail.com


شهدت بطولة كأس العالم هذا العام مستوىً استثنائيًّا من الإثارة، حيث اتسمت المباريات بالتنافس الشديد، وحُسم عدد كبير منها في الدقائق الأخيرة، مما جعلها أكثر تشويقًا من نسخ سابقة. كما أثبتت البطولة أن توسيع عدد المنتخبات المشاركة من 32 إلى 48 لم يؤدِّ إلى تراجع المستوى كما توقع البعض، بل أسهم في تقديم مواجهات قوية ولافتة، كان أبرزها المباراة المثيرة بين الأرجنتين والرأس الأخضر.

ومن الجوانب الإيجابية أيضًا الأداء المميز لمنتخبات أمريكا الشمالية المستضيفة؛ فقد قدم المنتخب الكندي أفضل مشاركة له في كأس العالم، بينما حافظ المنتخب المكسيكي على نظافة شباكه حتى خسارته أمام إنجلترا، أما المنتخب الأمريكي فظهر بمستوى غير مسبوق من الحماس والانضباط، وهو ما حظي بإشادة واسعة. كما ساعدت حفاوة المواطنين الأمريكيين بالزوار في تخفيف أثر الصورة السلبية التي خلفتها سياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب تجاه القادمين إلى الولايات المتحدة.

لكن هذه الأجواء الإيجابية تحولت سريعًا إلى واحدة من أكثر القضايا إثارةً للجدل في البطولة، بعد حادثة طرد مهاجم المنتخب الأمريكي فولارين بالوغون خلال مباراة الولايات المتحدة والبوسنة. فقد أشهر الحكم البطاقة الحمراء في وجه اللاعب بعد مراجعة تقنية الفيديو، رغم أنه لم يحتسب أي مخالفة أثناء سير اللعب. وأدى القرار إلى استكمال المنتخب الأمريكي المباراة بعشرة لاعبين، بالإضافة إلى إيقاف بالوغون عن مباراة دور الـ16 أمام بلجيكا.

أثار قرار الطرد جدلًا واسعًا في أوساط كرة القدم؛ إذ رأى بعض المحللين أن تدخل بالوغون يستوجب عقوبة، لكنهم اختلفوا حول شدتها، حيث اعتبر كثيرون أن البطاقة الصفراء كانت كافية، وأن الطرد جاء قاسيًا بالنظر إلى ظروف اللعبة. وزاد الجدل بعدما قارن البعض الواقعة بتدخل مشابه قام به ليونيل ميسي في مباراة سابقة للأرجنتين مع الجزائر، دون أن يتعرض لأي عقوبة مماثلة. ورغم ذلك، حظي رد فعل بالوغون الهادئ بإشادة واسعة، كما نال المنتخب الأمريكي تقديرًا بعدما نجح في تحقيق الفوز رغم النقص العددي.

المفاجأة الكبرى جاءت عندما أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، قبل يوم واحد فقط من مواجهة بلجيكا، تعليق تنفيذ عقوبة الإيقاف لمدة عام، استنادًا إلى المادة 27 من لائحة الانضباط، التي تمنح الهيئات القضائية في الفيفا صلاحية تعليق تنفيذ بعض العقوبات كليًّا أو جزئيًّا. وبذلك أصبح بالوغون مؤهلًا للمشاركة في المباراة.

وبحسب تقارير صحفية، أبرزها لصحيفتي نيويورك تايمز ووول ستريت جورنال، أجرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتصالًا برئيس الفيفا جياني إنفانتينو، ناقش خلاله قضية إيقاف بالوغون، وطالب بمراجعة القرار. كما أشارت التقارير إلى أن مسؤولين في إدارة ترامب تحركوا لمساندة الاتحاد الأمريكي لكرة القدم في مساعيه للاعتراض على العقوبة، رغم أن لوائح الفيفا لا تتيح الاستئناف في مثل هذه الحالات. وبعد إعلان تعليق الإيقاف، أجرى ترامب اتصالًا آخر بإنفانتينو رحب فيه بالقرار، كما تواصل مع مدرب المنتخب الأمريكي ماوريسيو بوتشيتينو، متمنيًا للفريق التوفيق في مواجهته أمام بلجيكا.

أثارت هذه التطورات موجة واسعة من الانتقادات داخل الأوساط الرياضية، إذ اعتبر كثيرون أن الفيفا منح المنتخب الأمريكي معاملة استثنائية بسبب الضغوط السياسية، وهو ما يهدد مبدأ المساواة بين المنتخبات. كما أبدى مسؤولون في كرة القدم تخوفهم من أن يشكل هذا القرار سابقة تسمح لمنتخبات أخرى بالمطالبة بإلغاء عقوبات مماثلة في المستقبل.

وعلى الصعيد الجماهيري، ساد شعور بالغضب في البوسنة، وبلجيكا، والعديد من دول العالم، حيث أصبح المنتخب الأمريكي يُنظر إليه بوصفه المستفيد من تدخل سياسي مباشر، حتى وإن كان اللاعب قد تعرض في الأصل لقرار تحكيمي مثير للجدل.

ويرى منتقدو الفيفا أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في تقييم صحة البطاقة الحمراء، بل في الطريقة التي تم بها تغيير القرار. فحتى لو كان الطرد خاطئًا، فإن تعديل العقوبة بعد ضغوط سياسية، ومن دون شفافية، يضر بمصداقية البطولة، ويقوض الثقة في نزاهة قوانينها. كما يعزز ذلك الانطباع بأن المنتخبات الكبرى أو الدول المضيفة تستطيع الحصول على معاملة مختلفة عن بقية المشاركين.

وفي النهاية، تحولت قضية بالوغون إلى فضيحة رياضية تجاوزت حدود الملعب، إذ وجد كل طرف سببًا للغضب؛ فالأمريكيون رأوا أن قرارًا تحكيميًّا مجحفًا قد صُحح، بينما اعتبر كثيرون حول العالم أن تصحيح الخطأ تم بطريقة خاطئة بسبب التدخل السياسي. لكن الجدل الذي سبق المباراة انتهى بنتيجة لم تكن في مصلحة المنتخب الأمريكي. فقد نجح المنتخب البلجيكي صباح اليوم في حسم المواجهة بنتيجة 4-1، مقدمًا أداءً قويًّا أنهى به مشوار أصحاب الأرض في البطولة، رغم مشاركة فولارين بالوغون بعد تعليق عقوبة إيقافه. وبذلك لم يغيّر القرار المثير للجدل من النتيجة النهائية، لكنه ترك وراءه نقاشًا واسعًا حول استقلالية الاتحاد الدولي لكرة القدم ونزاهة إجراءاته، وهو نقاش يُرجح أن يستمر حتى بعد إسدال الستار على البطولة.

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z