ناصر أبوعون
أن تضيء أينما كنتَ، وتُزهر بذرتك أشجارًا وثمارًا حيثما حَلَلْتَ؛ تلك قاعدة ذهبيّة في مسيرة الإنسانية من آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فالإبداع ليس مقصورًا على الانتماء إلى بقعة جغرافية أو حضاريّة محدَّدة، ولا منسوبًا إلى جماعة عِرقيّة بعينها، ولا مشروطًا بالحصول على جنسيّة دولةٍ (ما)؛ لأنه فعلٌ إنسانيّ وأخلاقيّ سيعمّ خيره، ويفيض عطاؤه أينما أقمتَ وحيثما ترحّلتَ. ومن هذا المبدأ نستعرض سيرة ومسيرة الدكتور صالح بن موسى الطائيّ أحد أعلام قبيلة الطائيين، التي تنقَّل أبناؤها في أصقاع الأرض من اليمن إلى عُمان إلى شبه الجزيرة وأرض الرافدين، وإلى بلاد الشام ومصر وفلسطين؛ إنّهم بذرة عِلْم وخير حملتها رياح التغيير على جُنْح نسماتها إلى حيث شاء الله؛ فأزهرت ثقافةً وإبداعًا وعلمًا وتاريخًا ناصع الجبين، وأنبتت من كل شيء بهيج، وسطّروا في صفحات التاريخ أمجادًا يتناقلها الرواة، وتحفظها بطون الكتب بدءًا من لهجة عربيّة خاصة بهم تُسمى (لغة طيء) لها سماتها وخصائصها النحوية والصوتيّة، وصولًا إلى الشعر فن العربيّة الأول، وامتدادًا إلى رواية الحديث وعلوم الفقه، وانتهاءً بفنون الموسيقى وعلوم الصيدلة والطب؛ فقد كان للطائيين باع طويل وبصمة لا تمحي في كل فنٍ وعلم. وفي هذه الحلقة نسلِّط الضوء على جهود الدكتور الطبيب صالح بن موسى الطائي أمين عام الهلال الأحمر الإماراتي الذي كان ومازال كان واجهة دوليّة مشرفة ومشاركًا في عشرات المؤتمرات الطبيّة والدولية ما بين أوربا وآسيا وأفريقيا، بل كان أحد رجال منظمة الهلال الأحمر الدولية المخلصين.
لماذا درستُ الطب؟
لقد مرّ الدكتور الطبيب صالح بن موسى الطائيّ بحوادث مروِّعة كانت حافزًا له على دراسة الطب، ومازالت تلك الحوادث ماثلة في ذاكرته حتى كتابة هذه المذكرات، ولن يمحوها الزمن مهما تعاقبت عليها الأيام؛ لقد كانت حادثة ختانه بشفرة الحلاقة بدون تخدير وتعرضه لنزيف حاد كاد يفضي إلى موته في طفولته المبكرة وخضوعه قسرًا لرحلة علاج قاسية بدأت بالكيّ والوشم بالنار مرات عديدة ونجاته، ثم يأتي حادث نجاته من الموت غرقًا بعد تحطم السفينة التي كان يقلها أمام شواطيء جزيرة سقطرى في طريق عودته من الجزيرة الخضراء في زنجبار، ورؤيته لطباخ السفينة الصوماليّ وهو يحتضر، وتكفينه والصلاة عليه وإلقاؤه في البحر؛ لقد كانت تلك الحادثتان دافعًا مباشرًا لحثّه على دراسة الطب، فضلًا عن رؤيته المرضى في حقبة ما قبل البترول محمولين مسافات بعيدة على ظهور الحمير والإبل والقوارب أملًا في الوصول أحياء إلى عيادات الكنائس الأمريكية والكندية، ومشاهدته للمرضى متكدسين على الأرصفة أمام تلك العيادات المتواضعة في انتظار دورهم في العلاج.. كل تلك الأحداث وغيرها شكَّلت للدكتور صالح بن موسى الطائيّ صدمة مروعّة في طفولته، فبدأ يبحث عن وسيلة يشارك بها في مساعدة الناس وإغاثة المرضى ودافعًا لدراسة الطبّ.

رسالة ودعوة لدرسة الطبّ
أصدر الدكتور الطبيب صالح بن موسى الطائي العديد من كتب الرحلات واليوميات نذكر منها (الأسفار بين الأقطار)، و(100 يوم من العزل الكوروني)، و(مذكرات طبيب) وغيرها، أكد من خلالها أنّ هدفه الأسمى من نشرها تشجيع الشباب على دراسة الطب والالتحاق بفرق الإغاثة الإنسانية، وإلقاء الضوء على معاناة الناس والشعوب والبلدان، فضلًا عن أسهمت في نقل تجاربه وخاصة معاناته في إتمام دراسته رغم الفقر واليُتم. ومن هذا المقام يقدم رسالة مختصرة مخاطبًا الشباب:(العبرة أيها الشباب بالاجتهاد والعصامية في الحياة لأن الإنسان لم يخلق للعيش عبثًا، بل يجب أن يُحَصِّل العلم لمنفعة الناس، وليس أشرف وأجمل من إنقاذ أرواح البشر من المرضى ومتضرري الكوارث والحروب؛ كما قال الله تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}. [المائدة:32]؛ ولأن الطب تخصص عظيم، وعلم وافر؛ فكونوا كالمتسلق للجبال العوالي، وركزوا على هدف الوصول إلى القمة، ولا تنظروا إلى الأسفل حيث المخاطر التي تشتت الذهن؛ فإن الذين يكسبون في النهاية، ويصلون إلى أهدافهم مَنْ لديهم الصبر والجلد وقوة التحمّل للمشاق في سبيل تحقيق أهدافهم).
رحلة عطاء حول العالم
قبل أن يزور 40 دولة حول العالم مُشاركا في مؤتمرات، ورحلات إغاثة طبيّة بدأ الدكتور الطبيب صالح بن موسى الطائيّ رحلته في ممارسة مهنة الطب ملتحقًا بالخدمات الطبيّة العسكريّة، ليُرشّح بعدها إلى قيادة (مستوصف قوات درع الجزيرة)، ثم مشاركًا في مهمة (إعادة الأمل بـ(الصومال)؛ ثم قائدًا لبعثة (إغاثة المسلمين في البلقان). ومن خلال رحلاته الإغاثيّة تمكّن الدكتور صالح الطائيّ من الوصول إلى دعم شعبنا الفلسطيني طبيًّا عبر قيامه بـ 10 زيارات إغاثيّة كانت فلسطين المحتلة تمرّ بكوارث عدوانيّة لا نظير لها وخلّفت وراءها آلاف الجرحى والشهداء. وطوال مسيرته في مجال الإغاثة الطبيّة توثَّقت علاقته مع سائر المنظمات الدوليّة، حيث كان طبيبًا فاعلًا على مسرح الأحداث، صنعت منه واجهةً مشرّفة، وقد كانت مشاركته في إغاثة أطفال ومرضى العراق ذروة سنامها، هذا فضلًا عن مشاركاته البحثية والعلمية في عشرات المؤتمرات الطبية حول العالم. ومن نافلة القول تجدر الإشارة هنا إلى أهم مهامه ومناصبه الطبيّة؛ حيث عمل مديرًا لإدارة الإغاثة والطواريء والمشاريع الإنسانية في الهلال الأحمر الإماراتي، وشارك في تأسيس وتفعيل البرامج الطبية الطوعية الدولية في آسيا وأفريقا، وقيادة فريق جراحة العيون إلى جزيرة سقطرى اليمنية وإجراء أكثر من 150 عملية جراحية هناك، وأشرافه على بعثة (عطاء زايد الخير) في إريتريا، وافتتاح مركز زايد للإنعاش القلبي، وتنفيذ برامج إنسانية عاجلة في العراق وفلسطين، ونقل الجرحى للعلاج في مستشفيات أبوظبي، وتدريب فرق الإغاثة الطبيّة والمتطوعين في أكثر من 30 دولة حول العالم، انتهاءً بتوليه لمنصب مستشار الأمين العام لمنظمة الهلال الأحمر.
السياحة الطبيّة العلاجية
لقد طاف الدكتور صالح بن موسى الطائي حول العالم (طبيبًا ومريضًا)؛ فعلى ضفاف (البحر الميّت)، و(بحيرة طبريا) عاين تجربة الدَّهن بالطِّين الأسود المُشبّع بالملح في علاج الأمراض الجلديّة، والتي يُقبل عليها السُّيّاح الأوربيون، وفي أزمة وباء كورونا شاهد كيف تحوّلت فنادق ومنتجعات البحر الميت إلى ملاجيء عَزل للقادمين من الحدود الأردنيّة. وبعد سقوط جدار برلين أقام طبيبنا في معسكرات الجيش الألماني للمشاركة في دورة إدارة مخيمات اللاجئين تحت إشراف الأمم المتحدة، وقدّم ورقة بحثية حول تجربة الإمارات في إنشاء وإدارة (مخيم كوكين) للاجئي كوسوفو و(مخيم شمس) للاجئي أفغانستان، وما بين الهند وتايلاند أشاد بالأسعار الزهيدة في علاج المرضى، والتي تحولت لاحقًا إلى تجارة مربحة بسبب إقبال الخليجيين المتزايد عليهم وتعرضّهم لمساومات المنسقين الطبّيين، وكم حذّر كثيرًا الشباب العرب من الوقوع في براثن تجّار المخدرات، وسماسرة الرحلات العلاجية. ومن تايلاند إلى الهند ارتبط بعلاقات وثيقة مع أطبائها وأشاد بتجربة الطب البديل وتمارين اليوغا والصيام وغسل الأمعاء وتمارين التنحيف. وكم رثي لحال فقراء الهند في المدن الكبرى، الذين يولدون ويعيشون ويموتون في الشوارع وتحت أكشاك الصفيح. ومن الهند إلى الصين ذهب مشاركًا في مؤتمرات طبية وزار المستشفيات، وذكر لنا في لمحة طريفة أنّ (الناس في الصين يأكلون كل ما على الأرض، وكل يطير في السماء وكل يسبح في البحر)؛ ولذلك كانت هذه العادة سببا في انتقال العديد من الأمراض والأوبئة مع البضائع الصينية إلى العالم وخاصة فيروس كورونا. وأشاد الدكتور صالح الطائي بنظام العلاج بالمياه المعندية الساخنة واليورانيوم المذاب في علاج الروماتيزم وأمراض العضلات والأعصاب والسكري والجهاز الهضميّ قرية باخيموف التشيكية، ثم نوّه إلى جبل (الكلس الأبيض) بمنطقة أزمير التركية حيث تنتشر المنتجعات الصحية المتخصصة في العلاج الطبيعي وجراحات التجميل وزراعة الشعر.
وفي الأخير يبقى القول: إنّ أبناءنا في حاجة إلى القدوة التي تأخذهم من ظلمات الفراغ إلى منصات التتويج، وإلى تجارب ومشاركات دوليّة وإنسانيّة تسهم في انفتاحهم على الشعوب الأخرى، وإلى الانخراط في أعمال طوعيّة وخيريّة عالمية ليروا العالم بعيونهم لا بعيون الكاميرات التي لا تنقل الحقيقة كاملةً إلا بعد تشذيبها، وإلى الانكباب على العلم والدرس لصناعة مستقبل مشرق لهم ولبلدانهم.
