قيمة الإنسان

 

 

مدرين المكتومية

يحكى أن رجلًا عجوزًا كان يحمل بيديه ورقةً نقديةً ويسأل الناس من حوله: من يريدها؟ فارتفعت كل الأيادي تطلب الحصول عليها، فقرر الرجل طيَّ الورقة النقدية ورماها على الأرض وداس عليها بقدميه، ثم رفعها مرة أخرى وسأل الناس: من يريدها؟ فارتفعت الأيادي أيضًا طلبًا لها رغم ما أحدثه الرجل بها، ليؤكد هذا الموقف أنه مهما تغير شكل الورقة النقدية، إلا أن ذلك لا ينقص من قيمتها.

هذه القصة القصيرة لا تتحدث عن تلك الورقة النقدية فحسب، ولكنها تتحدث عن الإنسان نفسه، هذا الإنسان الذي قرر العالم أن يعانده، كما يقول الشاعر: "تجري الرياح بما لا تشتهي السفن". فالإنسان لم يعد يُنظر إليه بما يحمله من قيم نبيلة أو أخلاق عالية أو ما يمتلكه من علم ومعرفة، أو ما يقدمه من خير للآخرين، وإنما بما يمتلكه من مال، وما يرتديه من مجوهرات فاخرة، وعلامات تجارية مرموقة، وما يعرضه من مظاهر الرفاه في مسكنه وسياراته التي يقودها، وكأن الكرامة والأخلاق والقيم المتعارف عليها أصبحت رقمًا ضمن الأرقام في كشف حساب بنكي.

إن هذا التغيير الذي طرأ على الإنسان والمجتمع لم يكن عابرًا، بل إنه استطاع أن يترك تشوهًا واضحًا في بناء العلاقات السوية بين بني البشر، وأصبحت العلاقات الإنسانية في آخر الاهتمامات، حيث أصبح التقدير مرتبطًا ارتباطًا كبيرًا بالمكانة المادية لا بالاستقامة والنبل، وحلت المقارنات المالية مكان كل شيء جميل في الإنسان، حتى إنها وصلت إلى البيوت، فضَعُف الرضا بين أفراد المجتمع، وارتفعت التوترات، وزادت معها الضغوط المالية والنفسية بما يفوق طاقة الأسر، وذلك رغبةً منها في المحافظة على صورتها الاجتماعية التي قد لا تعكس واقعها.

ومن الشواهد على ذلك، ارتفاع نسب الضغوط النفسية، وزيادة حالات التوتر السائدة بين نسبة كبيرة من أفراد المجتمع، إلى جانب الارتفاع المستمر لحالات الطلاق، حيث سجل عدد وثائق الطلاق ما يقارب 4208 حالات طلاق في 2025، مقابل 4122 وثيقة طلاق في 2024، بحسب الإحصائيات الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات من كتاب الإحصاء السنوي 2026، وهو أمر يعود لأسباب تتمحور، ويتركز أكثرها على هذه الظروف، التي رفعت سقف التوقعات المادية إلى حد يصعب اللحاق به، فبمجرد أن تتحول الحياة الزوجية إلى سباق استهلاكي مستمر، والعمل على فرض الرأي المبني على الحب والعلاقة المرهونة بالإنفاق والبذل المالي، عندها تتحول العلاقات الإنسانية إلى معادلات تجارية، نخسر فيها مشاعرنا وعلاقاتنا وقيمنا قبل أموالنا.

هذا ما جعل الأمر يتحول من مجرد رغبة في تلبية الاحتياجات إلى استهلاك مباشر ووسيلة للمباهاة وإثبات المكانة الاجتماعية، فأصبح البعض يشتري ما لا يحتاجه وينفق على ما لا يلزمه، ويرهق نفسه بصورة كبيرة فرضها عليه المجتمع أكثر مما تفرضها عليه قناعاته الداخلية، والمفارقة الحقيقية في هذا الشأن هي أننا في سباق لا يقدم لنا سعادة حقيقية، ولا يجعلنا نشعر بالرضا، بل إننا نعيش وسط فراغ لا يمكن ملؤه بشيء.

بالطبع، إن هذا لا يعني أبدًا أن المال لا قيمة له ولا توجد له أهمية، بل هو ضرورة من ضروريات الحياة ووسيلة للتعبير عن كل شيء، وتحقيق الكرامة والاستقرار، ولكن الخطأ الفادح الذي نرتكبه في حق أنفسنا هو عندما نحول هذه الوسيلة إلى غاية، وأن يصبح معيارًا لقياس مكانة الناس، وأن نختزل من خلاله علاقتنا الإنسانية بما يمتلكه الشخص وحجم راتبه، ووفرة ما يمتلكه، بعيدًا عن علمه وأخلاقه وصدقه وعطائه، والأثر الذي يتركه بعد رحيله.

وفي ظل هذه التحديات والضغوط، فإنه على المرأة أن تكون شريكة حقيقية لزوجها، وليس عبئًا ثقيلًا بكثرة المطالب أو مقارنة أحوال بيتها بأحوال الآخرين، وعليها أن تتحلى بالصبر حتى لا ينهار سقف البيت على الجميع، فهكذا كانت جداتنا يعملن ويصبرن للتكيف مع ظروف الحياة القاسية.

ولذلك فقد جاء التكريم الإلهي سابقًا لكل تصنيف دنيوي حين قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، والقصد فيها تكريم الإنسان لكونه إنسانًا، مثلما كان التفاضل بالعمل والقيم، بعيدًا عن جاهه ونفوذه وغناه.

إننا بحاجة إلى مراجعة صادقة لمعايير القيم التي سنقوم بغرسها في أبنائنا، والتي نقيس فيها مكانة بعضنا البعض، لأننا لسنا بحاجة إلى مزيد من مظاهر الثراء غير الحقيقية، بقدر ما يكون الإنسان هو الأساس قبل ممتلكاته، وأخلاقه قبل مظاهره، وقناعاته أقوى من قدرته الاستهلاكية، لنكون بذلك قد استطعنا أن نصلح مسارًا قد امتزجت فيه الغايات بالوسائل.

الأكثر قراءة

z