خلّوا الشعب الفلسطيني يعيش

عباس الزدجالي

في بطولات كأس العالم، تحفظ الجماهير أسماء الهدافين، وتتذكر الأهداف الخالدة، وتتناقل لقطات الانتصارات والانكسارات. لكن بعض اللحظات تبقى في الذاكرة لأنها تجاوزت حدود كرة القدم، وتحولت إلى مواقف إنسانية خالدة.

من بين تلك اللحظات، سيبقى موقف مدرب المنتخب المصري حسام حسن واحدًا من أبرز مشاهد مونديال ٢٠٢٦، ليس لأنه قاد منتخب بلاده إلى إنجاز رياضي، بل لأنه اختار أن يمنح الضمير الإنساني مساحة في أكبر حدث رياضي يشاهده مليارات البشر.

قبل المواجهة المرتقبة أمام الأرجنتين، وقف حسام حسن في المؤتمر الصحفي الرسمي، حيث كان الجميع ينتظر حديثًا عن التشكيلة، والخطط التكتيكية، وكيفية مواجهة أحد أقوى منتخبات العالم. لكنه فاجأ الجميع بحديث مختلف تمامًا، حديث لم يكن عن كرة القدم بقدر ما كان عن الإنسان. ثم ختم كلماته بعبارة اختزلت مأساة شعب كامل: «خلّوا الشعب الفلسطيني يعيش.»

لم تكن جملة سياسية، ولا دعوة إلى الكراهية، ولا انحيازًا لطرف على حساب آخر. كانت مطالبة بحق هو أبسط حقوق البشر: الحق في الحياة.

لقد أعاد حسام حسن، في دقائق معدودة، القضية الفلسطينية إلى واجهة أكبر تظاهرة رياضية في العالم، بعدما غابت عن ألسنة معظم المسؤولين الرياضيين والنجوم الذين آثروا الصمت، أو اكتفوا بالحديث عن كرة القدم وحدها، وكأن الرياضة منفصلة عن ضمير الإنسان.

Untitled.jpg
 

جاءت كلماته في وقت ما تزال فيه غزة تعيش واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، حيث يدفع المدنيون، وفي مقدمتهم الأطفال والنساء، الثمن الأكبر للحرب والدمار والنزوح والجوع. وفي ظل هذه المأساة، بدا سؤال حسام حسن موجهًا إلى العالم بأسره: إذا كانت أكبر منصة رياضية في العالم لا تستطيع أن ترفع صوتها من أجل حق الأطفال في الحياة، فمن يفعل؟

المثير أن حديثه لم يمر مرور الكرام. فقد تصدرت تصريحاته وسائل إعلام دولية كبرى، وتناقلتها وكالات الأنباء العالمية، ووجدت صدى واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي، كما حظيت بتقدير عدد كبير من المتابعين الذين رأوا فيها تعبيرًا عن الضمير الإنساني أكثر من كونها موقفًا سياسيًا

.ولم يكن ذلك أول تعبير عن تضامنه؛ فقد سبق أن رفع العلم الفلسطيني عقب تأهل المنتخب المصري، وأهدى الانتصار إلى الشعب الفلسطيني، قبل أن يجدد رسالته في المؤتمر الصحفي، مؤكدًا أن الرياضة ليست مجرد منافسة على الكؤوس، بل تمتلك أيضًا قوة ناعمة قادرة على لفت أنظار العالم إلى القضايا الإنسانية.

إن ما فعله حسام حسن يعيد إلى الأذهان الدور التاريخي للرياضة حين تتحول إلى منصة للدفاع عن الكرامة الإنسانية، تمامًا كما فعل رياضيون كبار عبر التاريخ عندما استخدموا شهرتهم لمناهضة العنصرية والتمييز والظلم. فالقيمة الحقيقية للرياضة لا تكمن في عدد الأهداف أو الكؤوس فقط، وإنما في قدرتها على جمع البشر حول قيم مشتركة، وفي مقدمتها العدالة والرحمة واحترام الإنسان.

ولعل أكثر ما منح كلماته قوتها أنها لم تتضمن دعوة إلى الانتقام، ولم تطالب بعقوبات أو مقاطعات، ولم تحمل خطابًا عدائيًا. لقد كانت دعوة بسيطة إلى وقف المعاناة، وإلى أن يُترك شعب بأكمله ليعيش بسلام. ولهذا السبب وجد كثيرون فيها رسالة إنسانية يصعب رفضها مهما اختلفت المواقف السياسية.

قد يختلف الناس في تقييم الصراعات، وقد تتباين قراءاتهم للأحداث، لكن يبقى هناك حد أدنى من القيم الإنسانية لا ينبغي أن يكون محل خلاف، وفي مقدمتها حماية الأطفال والمدنيين، واحترام حق الإنسان في الحياة والكرامة.

سيكتب المؤرخون عن نتائج هذا المونديال، وعن المنتخبات التي تألقت، وعن الفريق الذي رفع الكأس. لكنهم سيذكرون أيضًا أن مدربًا عربيًا قرر أن يكسر صمت المونديال، وأن يذكّر العالم بأن خلف الأرقام والإحصاءات هناك بشرًا ينتظرون الحياة.

لقد أثبت حسام حسن أن البطولة الحقيقية ليست دائمًا في الفوز بالمباريات، بل قد تكون أحيانًا في امتلاك الشجاعة الأخلاقية لقول كلمة حق في اللحظة التي يختار فيها الآخرون الصمت.

ولهذا، فإن كثيرين لن يتذكروا مونديال ٢٠٢٦ فقط بالأهداف والنتائج، بل سيتذكرونه أيضًا بتلك العبارة التي خرجت من قلب إنسان قبل أن تخرج من فم مدرب: «خلّوا الشعب الفلسطيني يعيش.»abbas@omanamana.com

 

 

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z