الجملة الأولى.. وعدٌ للقارئ

 

محمد أنور البلوشي**

هناك سؤالٌ ينبغي لكل كاتب أن يطرحه على نفسه قبل أن يكتب الكلمة الأولى: "لو أن شخصًا آخر كتب هذا المقال، هل سأواصل قراءته؟".

تخيّل أنك دخلت مكتبةً كبيرة. آلاف الكتب تصطف أمامك في هدوء. تمد يدك إلى أحدها، تقرأ الفقرة الأولى، ثم تعيده إلى الرف دون تردد. ثم تلتقط كتابًا آخر، فتفعل الشيء نفسه. وفجأة تقع عيناك على رواية لهاروكي موراكامي. تقول في نفسك: "سأقرأ صفحةً واحدةً فقط." لكن الصفحة تتحول إلى عشر صفحات، ثم إلى فصل كامل، قبل أن تدرك أن الوقت قد مضى.

وبالقرب منها تجد رواية الخيميائي لباولو كويلو. تبدأ القراءة بدافع الفضول، فإذا بك تعيش رحلة الراعي سانتياغو وكأنها رحلتك أنت. ثم تقرأ لربندرانات طاغور، الشاعر والفيلسوف الهندي، فتشعر أن الحكمة يمكن أن تُكتب بلغة الشعر، أو لر. ك. نارايان، الذي استطاع أن يحول الأزقة البسيطة في الهند إلى عوالم لا تُنسى. أما غابرييل غارسيا ماركيز، فقد جعلنا نؤمن بأن الخيال قد يكون أصدق من الواقع نفسه.

فما الذي جعل هؤلاء الكُتّاب مختلفين عن آلاف الكتّاب الذين تمر كتبهم أمامنا دون أن نلتفت إليها؟ الإجابة في غاية البساطة... لقد رفضوا أن يتركوا القارئ يشعر بالملل.

أتخيل أحيانًا حوارًا دار بين كاتبٍ شاب ومحررٍ مخضرم. قال الكاتب بثقة: "قصتي رائعة." ابتسم المحرر وقال: "ربما... ولكن هل سيبقى القارئ حتى يكتشف ذلك؟

لعل هذه الجملة وحدها تختصر سر الكتابة كلها.

القارئ لا يدين لنا بشيء. يستطيع أن يغلق الكتاب بعد السطر الأول، أو يترك المقال بعد الفقرة الأولى، أو يتوقف في منتصف الطريق دون أن يعود إليه مرةً أخرى. لذلك فإن كل جملة نكتبها هي دعوة صامتة، وكل فقرة هي وعد بأن القادم أجمل. فإذا خذل الكاتب قارئه مرةً واحدةً، فقد يخسره إلى الأبد.

كثيرون يظنون أن الكتابة هي مجرد نقل للمعلومات، بينما الحقيقة أن المعلومات تملأ العقل، أما الكتابة الحقيقية فتوقظ الخيال. قد تحفظ الأرقام والحقائق، لكن الذي يبقى في الذاكرة هو القصة، والمشهد، والحوار، والشعور الذي تركته الكلمات في أعماقنا.

قال الكاتب الأمريكي تشارلز بوكوفسكي يومًا إن العالم مليء بالكتّاب المملين. قد تبدو عبارته قاسية، لكنها تحمل قدرًا كبيرًا من الحقيقة. فالكتابة ليست ترتيبًا للكلمات فحسب، بل هي ترتيبٌ للمشاعر، والذكريات، والأسئلة، والصمت، والإيقاع.

نعم... حتى الكتابة لها موسيقى. هناك جمل يجب أن تجري كالنهر، وأخرى ينبغي أن تتوقف قليلًا، كما يتوقف مسافر يتأمل غروب الشمس. فإذا فقد النص إيقاعه، أصبح مثل أغنية بلا لحن؛ كلمات صحيحة، لكنها لا تلامس القلب.

ولعل هذا ما يجعلنا لا ننسى كبار الروائيين. موراكامي لا يكتب عن الوحدة فحسب، بل يجعلنا نعيشها. وباولو كويلو لا يحدثنا عن الأحلام، بل يدفعنا إلى الإيمان بها. وطاغور يعلمنا أن الشعر قد يسكن في أبسط الحوارات. أما ر. ك. نارايان، فيمنح الحياة اليومية العادية سحرًا استثنائيًا، بينما يجعلنا ماركيز نؤمن بأن الخيال ليس هروبًا من الواقع، بل طريقة أعمق لفهمه.

لم يعتمد هؤلاء على الكلمات المعقدة ولا على استعراض ثقافتهم، بل اعتمدوا على الفضول. كانوا يعرفون أن القارئ لا يواصل القراءة لأنه فهم كل كلمة، وإنما لأنه يريد أن يعرف ماذا سيحدث بعد ذلك. ولهذا، على الكاتب أن يكون حكّاءً قبل أن يكون معلمًا. لا تقل لي إن المطر هطل... اجعلني أسمع صوت قطراته وهي ترتطم بالنافذة. ولا تخبرني أن الأرض ابتلت... دعني أشم رائحتها بعد المطر. ولا تصف الحزن... اجعلني أشعر بثقله. ولا تتحدث عن الفرح... بل دعني أبتسم مع شخصياتك.

كل قارئ يحمل بداخله قصةً لا يراها أحد. قد يكون أحدهم فقد شخصًا عزيزًا، وقد يكون آخر غارقًا في الديون، أو حائرًا أمام مستقبله، أو يبحث عن بصيص أمل بعد سلسلة من الإخفاقات. الكتابة الجميلة تمنح كل واحد منهم مرآة يرى فيها نفسه.

ولهذا يقرأ الجميع النص نفسه، لكن كل واحد يخرج بمعنى مختلف. وهنا يلتقي الأدب بالفلسفة. الفيلسوف يسأل: "ما معنى الحياة؟" أما الأديب، فلا يجيب بتعريفات، بل برحلة، أو شخصية، أو حوار، أو لحظة صمت. الفلسفة تمنح الأدب عمقه، والأدب يمنح الفلسفة قلبها.

كثير من الكتّاب ينشغلون بمحاولة الظهور بمظهر المثقف، فيبحثون عن الكلمات الصعبة، بينما الحقيقة أن أبسط الكلمات قد تكون أكثر قدرة على الوصول إلى القلب. القارئ لا يبحث عن قاموس... إنه يبحث عن إنسان. عن صوتٍ صادق يشعر بأنه يجلس إلى جواره. ولهذا تبقى الجملة الأولى هي الأهم. إنها ليست مجرد افتتاحية. إنها مصافحة. تقول للقارئ: "تعال معي... أعدك أن هذه الرحلة تستحق وقتك".

وقبل أن ترسل مقالك إلى النشر، اسأل نفسك سؤالًا واحدًا: "لو كنت أنا القارئ... هل سأكمل القراءة؟" إذا كانت الإجابة نعم، فاعلم أن كلماتك بدأت تعزف موسيقاها الخاصة. فالكتابة العظيمة لا تُقاس بعدد الكلمات التي نكتبها، بل بعدد القلوب التي ترفض أن تتوقف عن القراءة.

**محاضر الاقتصاد بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z