ريتّا دار
لدي نظرية شخصية، لا يدعمها أي بحث علمي حتى الآن، لكنني مستعدة للدفاع عنها بكل ما أملك.
أعتقد أن هناك نوع من البشر لا يفشل في المهام الصعبة. بل في المهام السهلة جدًا. وأعتقد أنني من هذا النوع.
أعطني مشروعًا معقدًا يحتاج إلى تخطيط، وترتيب، وضغط، وحلول، وسأجلس ساعات حتى أنتهي منه. اطلب مني أن أرتب سفر كامل، أو أن أنجز عمل تحت ضغط، أو أن أحل مشكلة لا يعرف أحد كيف بدأت، وسأفعل.
لكن، بالله عليكم، لا تطلبوا مني شراء ربطة خبز؛ لأن احتمالية أن أعود بكل شيء.. إلا الخبز نفسه، مرتفعة بشكل يدعو للقلق.
أنا مقتنعة أن دماغي يحتقر المهام السهلة. ليس لأنه لا يستطيع إنجازها؛ بل لأنه يرفض أن يأخذها على محمل الجد.
أشعر أحيانًا أن بيني وبين دماغي اتفاق غير مكتوب. إذا كانت المهمة تحتاج إلى تركيز، وخطة، وشيء من التحدي، فإنه يستيقظ بكامل نشاطه، ويبدأ بتوزيع الأولويات، وتحليل الاحتمالات، واقتراح الحلول.
أما إذا قلت له: "لنذهب ونشتر خبز"؛ فكأنني أراه يبتسم بثقة زائدة، ويقول: "اطمئني.. هذه سهلة".
ثم يختفي تمامًا عن المشهد. وأبقى أنا وحدي أتحمل النتائج.
وربما لهذا السبب لا أثق أبدًا بالمهام التي تبدو بسيطة؛ لأن كلمة "بسيطة" بالنسبة إلى دماغي تعني: لا داعي للتركيز. لا داعي للتذكر. لا داعي حتى لمتابعة ما يحدث.
وهنا تبدأ الكارثة؛ فكلما صغرت المهمة.. كبرت احتمالات فشلي فيها.
والأكثر طرافةً أنني لا أتعامل مع هذه المهام بحذر أبدًا، وإنما على العكس تمامًا، أتعامل معها بثقة تثير الإعجاب.
لا أكتب ملاحظة.
لا أضبط تذكيرًا.
لا أكرر اسم الغرض في رأسي.
لأنني مقتنعة أن إنسانًا يستطيع إدارة عمل كامل، أو ترتيب سفر، أو حل مشكلة معقدة.. يستحيل أن ينسى سبب نزوله إلى السوبرماركت.
ثم أجد نفسي بعد دقائق أتجول بين الرفوف بهدوء، أقرأ العروض، وأقارن بين أنواع الشوكولا، وأتذكر أنني كنت أحتاج مناديل، ثم ألتقط شيئًا آخر لست بحاجة إليه أصلا.. قبل أن يضربني السؤال فجأة: "لحظة.. لم نزلت من البيت؟"
فأجر خيبتي وأعود للمنزل وأنا متأكدة أنني نسيت شيئًا.
ثم يسألني أحدهم: "أين الخبز؟" وهنا فقط أتذكر أن الخبز كان سبب نزولي من الأساس!
في الحقيقة، لا أعرف لماذا يعشق دماغي المهام الجانبية.
بمعنى إذا كان أمامه طريق مستقيم.. سيختار الالتفاف حول المدينة كلها، فقط ليصل للنتيجة نفسها بعد ساعة.
أعتقد أن هذه الالتفافات هي طريقته في أخذ اجازة. وأعتقد أن ازدراءه للمهام البسيطة هي حجته للمغادرة خارج الخدمة والتفكير في عبثية الحياة ومعناها.
لكن الأمر لا يتوقف عند التسوق. فأنا أيضًا أبحث عن هاتفي وهو في يدي. وأقسم أنني فعلت ذلك أكثر من مرة. أمسكه، وأشغل ضوءه لأبحث.. عن الهاتف.
ثم أقف صامتة للحظات، لا لأنني اكتشفت الحقيقة، بل لأنني أحاول أن أفهم كيف استطاع عقلي أن يخدعني بهذه السهولة.
وفي كل مرة أقول لنفسي: "هذه آخر مرة".
أما الثلاجة، فهي علاقة معقدة من نوع آخر.
أدخل المطبخ وفي رأسي هدف واضح جدًا.
أريد أن آخذ شيئًا محددًا من الثلاجة.
أفتح الباب. وأنظر إلى الداخل.
وبعد ثوان قليلة، أنسى تمامًا لماذا فتحته.
أقف صامتة أمام الرفوف. أحدق في اللبن.
ثم في البيض. ثم في علبة المربى التي لم يلمسها أحد منذ أشهر.
وبطريقة لا أفهمها، أجد نفسي أفكر في أمور لا علاقة لها بالطعام إطلاقًا.
كيف مر الأسبوع بهذه السرعة؟
لماذا لا أحب يوم الأحد؟
وهل يجب أن أغير مكان فناجين القهوة؟
لماذا انقرضت الديناصورات؟
ثم أستعيد وعيي فجأة، وأغلق باب الثلاجة، وأعود إلى الغرفة.. لأتذكر بعد عشر خطوات أن الغرض الذي دخلت من أجله ما زال داخلها ينتظرني بكل احترام.
بعد سنوات من هذه الكوارث الصغيرة، بدأت أقتنع أن المشكلة ليست في الذاكرة.
وليست في التركيز.
المشكلة أن بعض العقول متعجرفة قليلًا.
تعتقد أن المهام السهلة لا تستحق كامل طاقتها.
فتتعامل معها باستخفاف شديد.
أما المهام المعقدة، فتنحني لها باحترام، وتمنحها كل انتباهها.
ولهذا السبب أستطيع أحيانًا أن أحل مشكلة معقدة في دقائق.. ثم أقضي ربع ساعة أبحث عن شيء موجود في يدي.
لكنني لم أعد أنزعج من هذه الكوارث الصغيرة كما في السابق.
أصبحت أعتبرها دليلًا مطمئنًا على أن دماغي ما زال يعمل بالطريقة نفسها.
بطريقة عبقرية جدًا عندما يحتاج الأمر إلى التعقيد.. ومثيرة للشفقة تمامًا عندما يكون المطلوب بسيطًا.
وكلما حدثت واحدة منها، أتنهد، وأضحك، وأقول لنفسي: "آه.. ها أنا كما أعرفني تمامًا".
لذلك، إذا أردتم اختبار كفاءة أي إنسان، فلا تعطوه امتحانًا صعبًا.
ولا تطلبوا منه حل مشكلة مستعصية.
أعطوه قائمة فيها غرض واحد فقط.
إذا عاد به فعلًا.. فهذا، في رأيي، عبقري حقيقي.
