المشهور ليس دائمًا قدوة

 

 

 

د. سليمان المياحي**

قبل أن تنطلق عزيزي القارئ في قراءة المقال، أنا على يقين تام أنك ستتجه في قراءتك نفس الاتجاه الذي أريد أن أصل إليه وأوصلك إليه. بمعنى أنني لا أتكلم في مقالي هذا عن مشاهير العالم بشكل مطلق، فهناك مشاهير يستحقون الإشادة، ومنهم الاستفادة، في أي مجال كان، علمي أو ثقافي أو فني، إنما للأسف بعض مشاهير (السوشال ميديا) ممن أصبح يُشار لهم بالبنان، وتعدت متابعاتهم الأرقام المعقولة، ومحتواهم أقل ما يقال عنه إنه هابط. فإلى المقال.

أصبح الوصول إلى الشهرة اليوم أسرع من أي وقت مضى. بضغطة زر يستطيع شخص أن يجذب آلاف المتابعين، وخلال أيام قليلة يتحول إلى اسم متداول بين الناس. لكن الشهرة وحدها لا تمنح صاحبها مكانة القدوة، ولا تجعل أفكاره أو سلوكياته جديرة بالاتباع.

كثير من الشباب والأطفال يقضون ساعات طويلة في متابعة المشاهير عبر المنصات الرقمية، ويستمعون إلى آرائهم، ويقلدون أساليب حياتهم، ويمنحونهم مساحة واسعة من التأثير. وهنا تظهر مشكلة مهمة، وهي الخلط بين الشهرة والاستحقاق. فليس كل من اشتهر امتلك علمًا، وليس كل من حاز المتابعين امتلك الحكمة، وليس كل من جذب الأنظار أصبح نموذجًا صالحًا للاقتداء.

قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾. الكثرة لا تعني الصواب. الشهرة الواسعة قد تكون لصاحب فكرة هدامة أو سلوك منحرف.

لقد وضع الإسلام معيارًا مختلفًا للقيمة الحقيقية. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. فالمعيار ليس عدد المعجبين، ولا حجم الانتشار، بل التقوى والاستقامة وحسن العمل. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». كما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق». إذًا فالقدوة الحقيقية من يتمم مكارم الأخلاق، لا من ينقضها.

وعندما نتأمل سير العظماء في تاريخ الأمة نجد أن كثيرًا منهم لم يسعوا إلى الشهرة أصلًا، ومع ذلك بقي أثرهم ممتدًا عبر القرون. فالعلماء والمصلحون والمربون تركوا بصماتهم بما قدموه من علم وعمل وخدمة للناس، لا بما امتلكوه من شهرة أو حضور إعلامي.

المشكلة لا تكمن في الشهرة نفسها، فهي وسيلة يمكن أن توظف في الخير أو الشر، وإنما تكمن في منح الثقة والتأثير لمن لا يستحقهما. فقد يمتلك أحد المشاهير مهارة في الترفيه أو التصوير أو التسويق، لكن ذلك لا يؤهله للحديث في التربية أو الدين أو العلاقات الأسرية أو القضايا الفكرية. ومع ذلك نجد بعض الناس يتلقون آراءه وكأنها حقائق مسلَّم بها.

وقد لخص الشاعر هذا المعنى بقوله:

وما كل برق لاح في الأفق صادقًا

ولا كل من ألقى المقال مصيبُ

لذلك تحتاج إلى التعامل مع المحتوى الرقمي بوعي أكبر. قبل أن تتأثر بأي شخصية، اسأل نفسك عن عدة أمور: ما مستوى علمها وخبرتها؟ هل تتوافق أقوالها مع القيم والأخلاق؟ هل تنعكس نصائحها إيجابًا على حياة الناس؟ وهل تعيش ما تدعو إليه؟

ومن المهم أيضًا أن نساعد أبناءنا على فهم الفرق بين الإعجاب والاقتداء. فمن الطبيعي أن يعجب الإنسان بمهارة شخص أو نجاحه في مجال معين، لكن الاقتداء أعمق من ذلك بكثير، لأنه يعني تبني الأفكار والسلوكيات والقيم.

وقد قال الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «اعرف الرجال بالحق، ولا تعرف الحق بالرجال». وهي قاعدة عظيمة تعلمنا أن نقيس الأشخاص بالمبادئ الصحيحة، لا أن نقيس المبادئ بأسماء الأشخاص ومكانتهم.

إن المجتمع الذي يربط القيمة بعدد المتابعين يضع معايير مضطربة للحكم على الناس. أما المجتمع الذي يربط القيمة بالأخلاق والعلم والإنجاز النافع، فإنه يصنع أجيالًا أكثر وعيًا واتزانًا. ولهذا يبقى من الضروري أن تعلم أبناءك، وأن تذكر نفسك دائمًا، بأن المشهور قد يكون مؤثرًا، لكنه لا يصبح قدوة إلا إذا جمع إلى شهرته خلقًا وعلمًا وعملًا صالحًا.

وقبل أن أختم هذا المقال، أقدم لك، أيها القارئ الكريم، هذه النصائح السريعة، والتي آمل أن تكون عميقة في ذات الوقت:

لا تتبع كل مشهور، فالشهرة ليست وصية على الأخلاق، وكثير من الناس يخلطون بين الظهور الإعلامي والصلاحية للاقتداء، فتتحدد شخصيتك بمن تختارهم نموذجًا.

وتذكر أن القدوة الحقيقية من يجمع بين العلم والعمل والأخلاق، لا من يجيد التمثيل أمام الكاميرات، وأنا وأنت نحتاج إلى فحص دقيق لمن نتبع، قبل أن نترك أثره في حياتنا.

ولا تجعل تقييم الناس لك معيارًا، فالمشهور قد يكون ناقصًا في عقله أو دينه، فلا تمنحه ثقتك لمجرد أنه معروف.

وتذكر أن الإنسان الناجح من يضع عينه على النماذج الربانية؛ فالصحابة والتابعون والعلماء العاملون هم الأئمة الحقيقيون. الشهرة طارئة زائلة، والأثر الطيب يبقى.

وأخيرًا، تذكر هذا جيدًا: المشهور ليس دائمًا قدوة، ففي كثير من الأحيان يكون اختبارًا لتمييزك بين الذهب والتراب؛ لذا اختر قدوتك بعقل لا بعواطف، وحاسب نفسك قبل أن تُحاسَب.

 

**استشاري تربوي ومدرب دولي

 

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z