الوفاء لأهل العطاء

 

 

بدر بن علي بن سعيد الهادي

ما تشهده عُماننا خلال هذه الأيام من وقفات كريمة يقدمها عدد من التجار والمواطنين في محافظة ظفار دعمًا للطفلين أحمد العجمي وسالم الشيدي ليس أمرًا جديدًا على هذه الأرض الطيبة.

ولكن هذا الموقف يستحق أن أتوقف عنده، وأن أفكر: ما عساي أن أضيف في هذا العمل، وأن أكتب حتى يجف قلمي وتعوج إصبعي؛ لأؤكد ما وراءه من قيم وأخلاق عُمانية.

إن الذين بادروا إلى هذا الخير لم يطلبوا جزاءً من الناس، ولم ينتظروا تصفيقًا أو دعاية، وإنما ابتغوا ما عند الله، وهذا هو معدن الإنسان العماني الأصيل حين يرى محتاجًا أو مكروبًا أو ملهوفًا.

لكن يبقى علينا نحن أفراد المجتمع العُماني مسؤولية لا تقل أهمية عن مسؤولية أهل العطاء.

فمن الوفاء أن نقف مع من وقف مع المجتمع، وأن ندعم الشركات والمؤسسات والتجار الذين أثبتوا أن تجارتهم ليست بيعًا وشراءً فقط، بل رسالة ومسؤولية وإنسانية.

حين نشتري من هؤلاء، فنحن لا نجاملهم، وإنما نساند فكرًا يستحق أن يستمر، ونشجع ثقافة العطاء حتى تصبح نهجًا بين رجال الأعمال في سلطنتنا الغالية.

كم نحتاج اليوم إلى أن تتحول هذه القناعة إلى ثقافة.

فالتاجر الذي يفتح بابه للمجتمع وقت الحاجة، يستحق أن يجد المجتمع يقف معه وقت المنافسة.

وهذه ليست دعوة لمقاطعة أحد، وإنما دعوة إلى توجي البوصلة نحو من أثبت بأفعاله أن للوطن وأبنائه مكانة في قلبه قبل أن تكون الأرباح في حساباته.

أما محافظة ظفار، فهي ليست بحاجة إلى من يعرّف بكرمها، فالكرم فيها موروث تتناقله الأجيال، والشهامة فيها خلق قبل أن تكون عادة.

عُرف أهلها بإغاثة الملهوف، وإكرام الضيف، والوقوف مع المحتاج، كباقي أهل عُمان من رأس مسندم العزيز إلى جبال ظفار الوفية. وقد أصبحت ظفار عنوانًا للعطاء داخل عُمان وخارجها.

ومن يعرف المجتمع الظفاري عن قرب يدرك أن التكافل بينهم ليس موسميًا، بل أسلوب حياة، وأن ما يظهر للناس اليوم ليس إلا جزءًا من أعمال خير كثيرة تبقى بعيدة عن الأضواء.

وعلى امتداد تاريخ عُمان خرج رجال جعلوا من المال وسيلة لخدمة الناس، لا غاية لأنفسهم.

ويأتي في مقدمتهم حسن الذكر الشيخ سعود بن سالم بهوان، طيب الله ثراه، الذي بقي اسمه حاضرًا في ميادين البر والإحسان إلى يومنا هذا، ووصل خيره إلى مختلف محافظات السلطنة دون تمييز، حتى أصبح مثالًا يُحتذى في الجمع بين النجاح التجاري وخدمة المجتمع، وهؤلاء أبناؤه على خطاه سائرون، وعائلة بهوان عظيمة كعظمة عطائها. رحم الله الشيخ سعود، ورحم الله الشيخ سهيل.

وما زال هناك رجال كثيرون يسيرون على هذا النهج، يعملون بصمت، ويقدمون الخير دون انتظار كلمة شكر أو ثناء.

ولعل أجمل ما في هذه المواقف أنها تعيد التذكير بأن المجتمع العماني ما زال بخير، وأن قيم التكافل التي تربى عليها الآباء والأجداد لا تزال حية في نفوس أبنائه.

وما نرجوه هو أن تتسع دائرة هذه المبادرات، وأن يصبح دعم المجتمع جزءًا من ثقافة كل مؤسسة وكل تاجر قادر.

لأن أثر ذلك لا يعود على المحتاج وحده، بل على الوطن بأكمله.

حفظ الله عُمان، وحفظ رجالها ونساءها، وأدام فيها روح التراحم والتكافل، وجزى كل من جعل من نعمته بابًا لرفع كربة أخيه الإنسان.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z