كرة وشيء من السياسة

عوض المغني

انطلقت بطولة كأس العالم 2026، التي تستضيفها ثلاث دول هي كندا والمكسيك والولايات المتحدة، على وقع هدير الحرب في الخليج، في ظل الحصار الأمريكي المفروض على إيران.

وللولايات المتحدة سابقة في تنظيم مونديال 1994، حيث أُثيرت آنذاك نفس الادعاءات حول عدم جدوى إقامة البطولة في مجتمع لا يهتم بكرة القدم. إلا أن تلك النسخة حققت نجاحًا كبيرًا، وحطمت أرقامًا قياسية على صعيد المشاهدات التلفزيونية والحضور الجماهيري في الملاعب، حيث تجاوز إجمالي الحضور 3 ملايين متفرج.

وفي هذه النسخة أيضًا، كُسر ذلك الرقم، إذ تجاوز عدد الجماهير 5 ملايين حتى الأدوار الإقصائية في بطولة ممتدة إلى 104 مباريات، فيما تخطى إجمالي الأهداف 250 هدفًا.

انطلق المونديال في وقت كانت فيه البوارج الأمريكية متكدسة في المياه الإقليمية والدولية في إطار الحصار المفروض على إيران، بينما شاركت الجمهورية الإسلامية بمنتخبها الوطني في البطولة. ومن سوء الحظ أنه كان لزامًا على المنتخب الإيراني خوض مبارياته في الولايات المتحدة، في وقت لم يستجب فيه الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) للمطالبات الإيرانية، كما لم يبدِ نفس التجاوب مع المطالب الأوكرانية في حربها مع روسيا بشأن تغيير أماكن الإقامة أو جدول المباريات.

وبذلك، اختيرت المكسيك، إحدى الدول المنظمة، حلًا بديلًا لإقامة بعض مباريات المنتخب الإيراني، رغم ما واجهه من صعوبات فنية وإدارية، أبرزها طول المسافات والمضايقات اللوجستية من الجانب الأمريكي.

ولا ضير من تسمية هذه النسخة بالنسخة الأمريكية، إذ إن معظم المباريات تُقام على الأراضي الأمريكية، حتى في الأدوار النهائية. كما أن البصمة الأمريكية واضحة في عدد من التعديلات الفنية، مثل نظام الوقت المستقطع في كلا الشوطين (3 دقائق، وهو ما أثار حفيظة بعض المدربين)، واستغلاله في الإعلانات كمصدر دخل إضافي للفيفا، إضافة إلى الملاعب العملاقة وما توفره من وسائل ترفيهية، تتسع بعضها لما يقارب 65 ألف متفرج.

ومن المتوقع أن تجني الولايات المتحدة نحو 17 مليار دولار خلال البطولة، بينما لا تقل أرباح الفيفا المتوقعة عن 13 مليار دولار.

وفي ظل الشكاوى الجماهيرية من ارتفاع أسعار الخدمات خلال البطولة (الفنادق، المواصلات، التذاكر وغيرها)، تجدر الإشارة إلى أن الملاعب الـ11 المستضيفة مملوكة بالكامل للقطاع الخاص، ولم تُبنَ خصيصًا للبطولة كما جرت العادة في نسخ سابقة. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع التكاليف التشغيلية (الأمن، النظافة، التنظيم وغيرها)، ما انعكس بدوره على أسعار التذاكر، خاصة مع سياسة التسعير الديناميكي ونظام المقاعد الفاخرة، حيث تتراوح الأسعار من آلاف إلى عشرات الآلاف من الدولارات للمقعد الواحد.

وفي الوقت الذي أُطلقت فيه صافرة المونديال، توصل طرفا الحرب في الخليج (الولايات المتحدة وإيران) إلى صيغة اتفاق لإنهاء الأعمال القتالية ووقف الحرب، جرى توقيعه إلكترونيًا برعاية باكستانية، وكأن ساكن البيت الأبيض أدرك أخيرًا أهمية إتاحة الفرصة لدبلوماسية كرة القدم، لعلها تردم الهوة المتسعة بين المتحاربين.

ويأتي كأس العالم، بصخبه وتغطيته الإعلامية المتواصلة، ليطغى على ما تبقى من المساحة الإخبارية التي كانت مخصصة للكوارث والأحداث العالمية والإنسانية، وفي مقدمتها العدوان على غزة، الذي استغل انشغال العالم بالحرب في الخليج ليزداد تفاقمًا، إضافة إلى الصراع في السودان الذي كاد يغيب تمامًا عن التغطية.

وفي الوقت الذي انشغل فيه الإعلام الغربي خلال بطولة 2022 في قطر بفتح ملفات مثل حقوق الإنسان والعمال وظروف الملاعب والمناخ، لم نشهد تركيزًا مماثلًا في البطولة الحالية، رغم أن الدولة المستضيفة تطرح بدورها إشكالات مرتبطة بحقوق الإنسان وسجلها في مناطق عدة، إضافة إلى قضايا تتعلق بالتعامل مع الوفود القادمة من إفريقيا والعالم العربي، وكذلك بعض الفعاليات المرتبطة بالمعتقدات الثقافية والدينية، مثل فعاليات مرتبطة بمجتمع المثليين في مباريات محددة.

ولا تزال كرة القدم، رغم محاولات فصلها عن السياسة، بعيدة عن هذا الفصل. فالفيفا، التي تؤكد دومًا منع التدخل الحكومي في شؤون اللعبة، لم تنجح في الحفاظ على هذا المبدأ بشكل ثابت؛ إذ سبق أن واجهت قضايا فساد طالت مسؤولين بارزين، كما تم استبعاد المنتخبات الروسية منذ عام 2022 من المشاركات الرياضية بسبب الحرب على أوكرانيا، بينما شاركت دول أخرى رغم تورطها في صراعات عسكرية مثيرة للجدل، في ازدواجية واضحة في المعايير.

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z