الواحدُ وطن

 

 

 د. رقية بنت حميد الوهايـبي

قبل أن يكتمل حضور رسالة "كلنا واحد" في الفضاء العام ضمن المبادرة الوطنية للفريق الحكومي الواحد، ظهر الرقم واحد في الفضاء العام كأنه سؤال صغير يوقظ الفضول: لماذا الواحد؟ ولماذا الآن؟

والجميل أن هذا الرقم لم يحتج إلى شرح طويل كي يجد الناس معناه في الحياة؛ فقد جاء مشهد أحمد العجمي في ظفار وسالم الشيدي في صحم ليمنح الواحد ترجمته الإنسانية الأصدق: طفل ينادي من الجنوب، وطفل ينتظر في الشمال، ووطن يتحرك كأن المسافة بينهما نبضة قلب واحد.

لم يكن ما حدث مجرد تبرعات تُجمع، أو أرقام ترتفع، أو منشورات تتناقلها المنصات؛ فقد كان مشهدًا عُمانيًا عميقًا: وجع يتحول إلى نداء، ونداء يتحول إلى فزعة، وفزعة تتحول إلى أثر؛ وهناك من نشر، ومن نظّم، ومن تبرع، ومن دعا، ومن تابع، ومن أعاد توجيه الخير إلى باب آخر من أبواب الرحمة؛ فكانت الأدوار كثيرة، والروح واحدة، والسلوك العُماني واحدًا ممتدًا منذ استنجاد الزهراء السقطرية بالإمام مالك بن الفهم إلى عصرنا هذا؛ وقفة تتكئ على قيم عُمانية لم توهن بمرور الزمن، ولا يزال الكل يتذكر ملاحم إنسانية سطّرها العُمانيون خلال جائحة جونو وفيت وشاهين، التي لا تزال عالقةً في الأذهان، وراسخةً في القلوب؛ فهي ترجمة حقيقية تؤكد مرة تلو الأخرى بأن قوتنا تكمن في الرقم واحد، وتكمن في وقفتنا كالبنيان المرصوص، لا تعبث بعقولنا أفكار مسمومة، ولا تؤثر في وحدتنا دسائس كائدة. نحن فريق واحد ينصهر حكومةً وشعبًا لهدف واحد، يسعى لتنمية وطن واحد، وإسعاد شعب واحد، ويسطّر حكاية واحدة، هي أن عُمان تنسج حكاية تنميتها، وتحكي قصص نجاحها بفلسفة تستمد قوتها من الفريق الواحد الذي وجد لخدمة الإنسان والإنسانية.

هنا نفهم الرقم واحد بعيدًا عن شكله البصري؛ الواحد لا يعني أن نكون جهة واحدة، ولا صوتًا واحدًا، ولا دورًا واحدًا؛ الواحد يعني أن يعمل كل طرف من موقعه في اتجاه معنى واحد؛ فالمجتمع تحرك حين تكامل، ورأينا كيف أن كل يد امتدت كانت تقول بطريقتها: عُمان لا تترك وجعًا وحده.

وفي المبادرة الوطنية للفريق الحكومي الواحد، يحمل شعار "كلنا واحد" هذا المعنى ذاته داخل العمل المؤسسي؛ فالجهة لا تكتمل بذاتها، والموظف لا يعمل بمعزل عن غيره، والخدمة لا تُقاس من نافذة واحدة، فخلف كل إجراء إنسان، وخلف كل معاملة قصة، وخلف كل قرار أثر قد يختصر الطريق على أسرة، أو يُطيل عليها الانتظار.

ومن موقعي كمُيسّرة في هذه التجربة، شعرتُ أن المبادرة لا تأتي بمعنى غريب عن عُمان، وإنما تعيد ترتيب معنى قديم في وجداننا؛ فنحن نعرف الفزعة، ونعرف الجار، ونعرف أن الإنسان لا يُترك وحده حين تضيق به الحياة؛ ولكنّ الجديد أن تتحول هذه القيمة من خلق اجتماعي جميل إلى منهجية عمل عام: أن ترى كل جهة أثرها في الجهة الأخرى، وأن يرى كل موظف أن عمله الصغير قد يكون فارقًا كبيرًا في حياة أحدهم.

قصة أحمد وسالم واستنفار الجميع لنجدتهما قدّمت صورة المجتمع حين يعمل بروح الواحد؛ وعقلية "كلنا واحد" تُقدّم صورة الحكومة حين تعمل بروح الواحد، وبين الصورتين تكتمل المعادلة: حكومة تتكامل في مؤسساتها، ومجتمع يتكافل في وجدانه، ووطن يعرف أن التنمية هي ثقة بين الإنسان ومن يخدمه، وبين المواطن ومن يقف معه.

والسؤال الأهم بعد هذا المشهد ليس: كم جمع الناس؟ ولا: من بدأ في تلبية النداء؟ السؤال الأعمق: كيف نحافظ على هذه الروح بعد أن تهدأ المنصات؟ كيف نجعل الفزعة نظامًا، والرحمة مسارًا، والتكامل عادةً يومية لا لحظة استثنائية؟

في العمل الحكومي، يبدأ ذلك حين تُصمم الخدمة حول الإنسان، لا حول الإجراء، وفي المجتمع، يبدأ حين لا ننتظر الوجع حتى يكبر؛ فنفتح باب تدريب لشاب، ونحتضن موهبة طفل، ونرشد محتاجًا إلى الطريق الصحيح، ونسند أسرة قبل أن تنكسر. ونطمح أن نخلد لعُمان سجلها المشرق عبر التاريخ.

لقد سردت ملحمة أحمد وسالم لعُمان شيئًا أكبر من قصتهما: لقد روت للعُماني، من أقصاها إلى أقصاها، إن الرحمة حين تنتقل بين المحافظات تصبح وطنًا يمشي، وأخذ الرقم واحد يُجسّد شيئًا لا يقل عمقًا: إن الوطن حين تتعدد أدواره ويصدق اتجاهه، يصبح أكثر قربًا من الإنسان؛ فذلك هو الواحد حين لا يبقى رقمًا فحسب، ذلك هو سر الواحد حين يغدو وطنًا.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z