قراءة في قصيدة (سلامًا أيتها الحرب) للشاعر أحمد مطر

 

 

 

د. دعاء خميس جابر صقر

كلية الآداب ـ جامعة دمنهور

 

 

 

الامتداد الصوتي وتجليات الرؤية الشعرية

    احتلَّ الصوت منزلةً محورية في الدرس اللغوي العربي؛ إذ أدرك اللغويون الأوائل قيمته الوظيفية في رصد أبعاد الدلالة، فجعلوه أساسًا لعدد من العلوم، كعلم الأصوات، والعَروض، وصناعة المعاجم، وضبط القراءات القرآنية. ولم يكن اهتمامهم بالصوت مقتصرًا على جانبه المادي، بل تجاوز ذلك إلى إدراك دوره في إنتاج الدلالة وتحقيق التواصل بين أفراد الجماعة اللغوية. وقد التقت اللسانيات الحديثة مع هذا التصور حين نظرت إلى اللغة بوصفها نسقًا من العلامات الصوتية التي تؤدي وظيفة التواصل داخل مجتمع لغوي يشترك أفراده في نظام رمزي واحد.

    ولهذا التصور جذوره في التراث اللغوي العربي، ولا سيما فيما قرره ابن جني في تعريفه للغة بقوله: «أما حدها، فأصواتٌ يعبِّر بها كلُّ قومٍ عن أغراضهم»، وهو تعريف يكشف عن وعي مبكر بالطبيعة الصوتية للغة ووظيفتها التواصلية، الأمر الذي يؤكد عمق الرؤية اللسانية عند علماء العربية، وسبقها إلى عدد من المبادئ التي تبنّاها الدرس اللساني المعاصر.

وهذا المقال يتناول بالدراسة التشكيل الصوتي وأثره في بناء الرؤية الشعرية في قصيدة (سلاماً أيتها الحرب) لأحمد مطر من خلال رصد آفاق الفضاء الصوتي ودوره في إنتاج الدلالة .

 

    كان أحمد مطر يشعر بالحزن والإحباط من الوضع العربي ، وظهر حزنه في قصيدة (سلامًا أيَّتُها الحرب) ، التي عبّرتْ عن مدى اضطرابه من جَرَّاء صُلْح الحكومات مع العدو ، وقمعها لأبناء الوطن ؛ فأصبح العدو حبيبًا والحبيب عدوًّا ، وصار كل شيءٍ يمشي في الاتجاه المُعاكس.

وقد اعتمد ( أحمد مطر ) على حروف المد واللين  باعتبارها من أبرز العناصر الصوتية المؤثرة في تشكيل الدلالة؛ إذ تُكسب الخطاب امتدادًا زمنيًا ينسجم مع طبيعة المعاني والانفعالات التي يراد التعبير عنها. ولا يقتصر أثرها على الجانب الإيقاعي، بل يسهم في تعميق الأثر النفسي والجمالي للنص، من خلال ما تتيحه من انسياب صوتي واتساع في المجال التعبيري، مما يجعلها عنصرًا فاعلًا في بناء المعنى وإثراء التجربة الأسلوبية.

   وبالنظر إلى الكلمات (صوتيًّا) نُلاحظ انتشار حروف المدّ واللين بشكلٍ واضح في اللافتة ، يقول:

طُولَ أعْوَامِ الخِصَامْ

لَمْ نَكُنْ نَشْكُو الخِصَامْ .

لَمْ نَكُنْ نَعْرِفُ طَعْمَ الفَقْدِ

أو فَقْدَ الطَّعَامْ .

لَمْ يَكُنْ يَضْطَرِبُ الأمْنُ مِنَ الخَوفِ ،

وَلا يَمْشِي إِلَى الخَلْفِ الأمَامْ .

كلُّ شَيءٍ كَانَ كَالسَّاعَةِ يَجْرِي

بِانْتِظَامْ .

هَاهُنَا جَيشُ عَدُوٍّ جَاهِزٌ لِلاقْتِحَامْ .

وَهُنَا جَيشُ نِظَامٍ جَاهِزٌ لِلانْتِقَامْ .

وَغَدَونَا ، بَعْدَ أنْ كُنَّا شُهُودًا ،

مَوضِعًا لِلاتِّهَامْ .

وَغَدَا جَيْشُ العِدَى يَطْرَحُنَا أرْضًا

لِكَي يَذْبَحُنَا جَيشُ النِّظَامْ !

أقْبِلِي ، ثَانِيَةٌ ، أَيَّتُهَا الحَرْبُ ..

لِنَحْيَا فِي سَلامْ ! ( (1)

فإذا كان عدد كلمات اللافتة أربع وستون كلمة ؛ فقد جاء المدّ واللين في ثلاث وثلاثين كلمة منها ، أيّ أن نصف كلمات القصيدة - تقريبًا - تحمل حروف المد واللين ، وهذه « الحروف الليّنة أو الجوفيّة أو الهوائيّة أو الصائتة - كما يُسمّونها - ؛ إنما هي بالفعل أسماءٌ على مُسمّيات » (2) ؛ فهي تُمثّل نوعًا من الفراغ الحسّي والشعوري ، ذلك الفراغ الذي عبّر عنه الشاعر الفرنسي رامبو عند وصفه لحرف (أُو) في الفرنسية ، الذي يقابله (الواو) في العربية ، بأنه يُوحي باللون الأسود لأنه معدوم الإيحاءات الحسيّة والشعوريّة ( (3).

 

    كل ذلك يُفسّر انتشار المد واللين في تلك اللافتة الحزينة لأحمد مطر ؛ فحروف المد واللين تسمح بخروج الهواء من الجوف إلى الخارج ، ومن ثَمّ كانت مُتَنَفّسًا جيّدًا للشاعر لإخراج طاقة الحزن المكبوتة داخله ، وزيادتها عن نصف اللافتة يعكس حجم الإحباط والحزن لديه ، ولا يدُلُّ هذا إلا على صدق الشاعر في إحساسه بمُعاناة الوطن ؛ حيث نطقتْ الأصوات بما يُعبِّر عن مكنون نفسه .

 

    لا يقتصر حضور حروف المد واللين في قصيدة سلامًا أيتها الحرب على أداء وظيفة إيقاعية، بل يتجاوز ذلك ليغدو مكوِّنًا أسلوبيًا يسهم في إنتاج الدلالة وتعميق أبعادها النفسية والفكرية. فامتداد هذه الأصوات يفرض زمنًا نطقيًا أطول، الأمر الذي يواكب طبيعة التجربة الشعرية القائمة على استحضار الألم، واستدامة الإحساس بالفقد، واتساع مساحة التأمل في مأساة الإنسان العربي. ومن ثم فإن كثافة المدود لا تُقرأ بوصفها سمة صوتية معزولة، وإنما بوصفها اختيارًا فنيًا يعكس رغبة الشاعر في إبطاء إيقاع التلقي، واستبقاء الأثر الوجداني في نفس المتلقي، بما يسمح للدلالة بأن تتكشف تدريجيًا عبر الامتداد الصوتي.

 

     كما تسهم حروف اللين، بما تمتاز به من انسيابية وخفة في الأداء، في تخفيف حدة التراكيب الصوتية، لتنشأ مفارقة أسلوبية بين ليونة البنية الصوتية وقسوة الواقع الذي تصوره القصيدة؛ وهو ما يضاعف من الأثر الدلالي ويمنح الخطاب الشعري طاقة إيحائية أعمق. وبهذا تتكامل البنية الصوتية مع المستويين التركيبي والدلالي، فتغدو حروف المد واللين عنصرًا بنائيًا فاعلًا في تشكيل الرؤية الشعرية، إذ تُسهم في تجسيد الانفعال، وتكثيف البعد الوجداني، وترسيخ المفارقة التي يقوم عليها الخطاب الشعري عند أحمد مطر.

......

المراجع:

(1) أحمد مطر : المجموعة الشعرية ، ص 282 .

 (2) حسن عباس : خصائص الحروف العربية ومعانيها ، ص 100 .

(3) المرجع السابق ، ص 101 .

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z