محمد عمار عيسى **
خلق الله لكل شيء نقيضًا من ذاته ليتزن الكون؛ فخلق العين وخلق معها الرمد. وخلق الأسنان وخلق معها السوس. خلق الإنسان وخلق معه الأمراض والآفات التي تقضّ مضاجعه وتخرجه من ركوده وطمأنينته الزائفة. وخلق النبات وخلق معه العفن.
وفي العوالم الغيبية والشرعية، تتجلى هذه الفلسفة الكونية في أعظم صورها؛ فحين أمر الله سبحانه وتعالى إبليس بالسجود لآدم عليه السلام، وهو أمر تشريعي يحمل في طياته الابتلاء، أَبى إبليس واستكبر، واختار بمحض إرادته المعصية والتمرد مدفوعًا بداء الكبر والغرور. لم يكن رفضه خروجًا عن الإرادة الكونية، بل كان توظيفًا إلهيًا لحُرية الاختيار، لتتجلى الحكمة الربانية البالغة من وراء هذه المعصية، ويبدأ صراع الحق والباطل الأزلي، وتتحقق الغاية الأسمى من الاستخلاف والابتلاء ؛ ولولا وجود الشيطان وغوايته لما تمايزت منازل الأنبياء والصالحين، ولما تجلت الحاجة للكتب السماوية، من التوراة والإنجيل والقرآن الكريم، لتقوم بدور الفرقان والميزان الذي يفصل النور عن الظلام ويشهد بتمايز أهل الحق عن أهل الباطل، وفي عالم الحيوان كذلك، جعل الله الوحش الكاسر والأليف السادر، لتستمر دورة الحياة والتوازن البيئي،
إن هذه الثنائية ليست مجرد ظاهرة بيولوجية أو غيبية، بل هي قانون وجودي حاكم يمتد ليعيد تشكيل خريطة السياسة الدولية وصراع القوى في عالمنا المعاصر، لقد مكن الله للولايات المتحدة الأمريكية لتكون القوة الأكبر عالميًا، وبسط نفوذها تكنولوجيًا، واقتصاديًا، وعسكريًا. ولكن، لحكمة إلهية تمنع استفراد قطب واحد بالعالم فيخرب ويهلك بظلمه وطغيانه، مكن سبحانه لقوى صاعدة وأخرى تقليدية لتصنع معادلة "الردع المتبادل".
فبرزت روسيا بترسانتها الضاربة، والصين باقتصادها العملاق، وكوريا الشمالية بردعها الحاسم، والهند بثقلها الديمغرافي، وباكستان بترسانتها وتوازنها النووي متلازمةً مع إيران بامتدادها ونفوذها الجيوسياسي ليُشكلا معًا قُطبي العمق الإسلامي في هذه المعادلة، وفي خضم هذا المخاض الإقليمي المُعقد، تُختبر متانة الرؤى والمواقف داخل المنظومة الخليجية ففي الوقت الذي انجرفت فيه بعض التوجهات مع أمواج التحولات المتسارعة والمسارات الطارئة التي تفتقر للعمق التاريخي، قدمت سلطنة عُمان صياغة حقيقية لدبلوماسية المبادئ. إن هذا الثبات العُماني الراسخ وسط رياح التغيير يمثل نموذجًا ملهمًا وعتابًا صامتًا لكل اندفاع غير مدروس، وتأكيدًا على أن الحكمة الحقيقية تكمن في البناء على الأسس الأصيلة لا الركض خلف السراب، لتظل مسقط بصوتها الهادئ والواثق صمام أمان حقيقي وصانعة للتوازنات الكبرى بحكمة وسلام.
وفي قلب هذا المخاض العسير، الممتد عبر عقود وسنين من الأزمات المتراكمة والتحولات الجيوسياسية الطاحنة التي ما فتئت تعيد صياغة المنطقة، ألقى سبحانه " إسرائيل " ككيان غاصب في قلب العالم العربي، ليكون بمثابة الابتلاء والمحرك المستمر الذي يشحذ الهمم والطاقات الكامنة، ويحفز الأمة على النهوض وامتلاك أسباب القوة لكسر هذا التحدي الوجودي والركود المتربص في الحالة النفسية العربية، تمامًا كما يُقاوم الفلسطينيون الأبطال ويُسطروا أروع الملاحم البطولية وكما فعلت مصر وغيرها في محطات التاريخ الممتدة؛ إذ لا تعجب من تسليط هذا المرض والابتلاء في لُبّها وهي أمةٌ تستنزف طاقاتها في صراعات الهوامش وجدليات الماضي الغابر! لعل هذا الابتلاء يكسر ركودها ويوجّه بوصلتها نحو معاركها الحقيقية.
لذلك، لا يجب علينا أن نحكم على الأمور من هوامشها الضيقة أو ظواهرها الإقصائية، وعلينا أن نتحلى ببعد النظر؛ فهذه هي الغاية الأسمى والأجَلّ من وجود العقل.
فالخنزير مثلًا، الذي يمثل في الوعي الثقافي والناموس الشرعي رمز الخبث والرجس (تعبدًا وتحريمًا)، يؤدي بالمقابل دورًا حيويًا كبيرًا في الحفاظ على التوازن البيئي وتنظيف الطبيعة من النفايات العضوية.
إن الحياة في أصلها وفطرتها كلها كبد ومشقة، ولا تصفو لأحد إلا بمُجاهدة أضدادها كما قال تعالى في مطلع سورة البلد
إن هذا المشهد المُعقد ليس عبثًا، بل هو تجسيد حي لـ"سنة التدافع" الكونية، والتعددية القطبية، ومواجهة التحديات المفروضة لإجبار الطغيان على التراجع، وتدفع الأمم لاستجماع قواها، مما يحمي البشرية من الفناء تحت وطأة القطب الواحد والرأي الواحد.
فلا نامت أعين الجبناء، ولا هدأ كونٌ أراده الله متحركًا بالدفع؛ فركود القطب الواحد هو الموت الزؤام، وإن صراع الأضداد هو النبض الحقيقي للبقاء
وكما قال الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه "إِذَا اشْتَدَّ الكَرْبُ عَظُمَ الفَرَجُ، وَسُنَنُ الأَيَّامِ دُوَلٌ؛ فَلاَ يَنَامَنَّ ذُو بَصِيرَةٍ عَنْ حَرَكَةِ الزَّمَانْ".
يا أيها الواقفون على هوامش الوجود متفرجين، اعلموا أن السكوت وهم، وأن طُغيان القوة يحمل في أحشائه بذور فنائه، وما خلق التحدي إلا لتنهض الأمم من رمادها كالبركان الذي لا يثور إلا بعد خمود، فإما استجابة لـ " سنة التدافع "، وإما سحق تحت أقدام التاريخ الناتئة. فالكون لا يعترف بالضعفاء، والوجود لا يرحم المستسلمين!
قم واهدم جدار الصمت؛ فالتاريخ قلمٌ من نار، لا يكتب أسماء العبيد؛ فإما أن تكون أنت العاصفة التي تُبدل الموازين، أو إعصارًا يجرفك في غياهب العدم!
** كاتب سوري
