مُزنة المسافر
باب شقة عمي رجب مفتوح للضيف الصغير الذي دخل في التو، إنه كريم، كريم الطفل، جاء يقول لعمي رجب جملًا مُبعثرة، ويصف أحداثًا متكررة دون راءٍ وسط الحروف، يفكر كريم إن كانت الدُمى أسفل الكنبة أم هي فوق الطربيزة المدورة، إنه يبحث عنها في كل زوايا الشقة.
حتى خرج عمي رجب من غرفة نومه بصندوق فيه كل الدمى، شكشك وحسن الشطور والأراجوز، مستلقين نائمين، قلوبهم تودعه في حنين، إنه يقول لهم جميعًا وداعًا، بعد أن تسببوا في فوضى لأفكاره، ونشروا بعض أوراقه، وتكلموا عن أخلاقه في غيابه.
فجاء كريم ليسأل دون أي راء طبعًا وسط الكلمات.
كريم: دول العلايس يا عم لجب؟!
عمي رجب: كلهم يا كريم.
كريم: الألجوز، شك..شك، وحسن الشطول.
عمي رجب: خد الصندوق ده يا كريم، وأوعى تضيعه، أنا كبرت، وما أقدرش أربيهم، دي دنيتهم كبيرة، وأحلامهم كتيرة، بيفرحوا أيام ويفرحوني، وأيام كتيرة كانوا بيزعلوني.
كريم: عشان أنت طيب أوي …يا عم لجب!
عمي رجب: طب أعمل إيه يا كريم؟
كريم: خليك طيب بس.. معايا أنا!
خرج كريم فرحًا وراح خارج الشقة، حمل الصندوق وجلس على سلالم العمارة، حمل الأراجوز أولًا في الهواء، ثم ضغط على جسده، وضغط بقوة على قلبه، دوب دوب.. دوب…ب.
هل يدري كريم أنه أغلق أبواب الحياة في وجه الأراجوز؟ ونادى على الموت ليجد شخصًا مستعدًا للذهاب والرحيل والفناء، دون أي عتاب من الباكين على غيابه.
عدا… دلولة.
من الطابق الخامس، تنزل دلولة السلالم وتقف في درجات الطابق الرابع.
تجد كريم الطفل، لتسأله بتعجب كبير.
دلولة: مين إداك الأراجوز يا كريم؟
كريم: عمي لجب.
دلولة: رجعه أوام، أوام لعمي رجب.
كريم: الألجوز مات.. ما بتفهميش مات!
لم تصدق دلولة أن الأراجوز الذي أحبها في الماضي صار بلا روح، صعدت روحه للسماء، وغابت بعيدًا عن دلال وشرفتها وقلبها السائل دومًا في رجاء.
لقد دلتها النجمات على حب الأراجوز، وحين وصلت هي إلى السماء اللامعة بالنجوم التي كانت سامعة لأحاديث الدمى، حملتها النجوم إلى بلادها لكنها تركت الأراجوز يعاني في سيرك قد احترق، لم يجد فيه المتعة والفلوس، وذهب لصياد تحتضر أسماكه، وعرف الأسطا صاحب الأغنيات الجالبة للغربة، وفهم الدنيا حين عاد ليغزوها من جديد، لكنه لم يفلح كعادته ولم يصدح إلا بالأنا.
خرجت دلال من العمارة الطويلة، دخلت في أحشاء الليل المُعتم، لتتمشى، إنارة خفيفة، وعيون مخيفة تنظر إليها، هي وحيدة الآن… دون الأراجوز، لقد أدركت فعلًا أنها من خيوط وأزرار وفستان وشعر ذهبي من صوف بلدي وأنها صنع محلي.
إنها تتحرك وسط البشر، حركتهم سريعة وحياتهم في الليل بديعة. شعرت بالبرد والريح والوهم الذي عاشته أيامًا طويلة في الزقاق.
هل هي محمومة بالشهرة؟ هل منحها مجدي البَهْرة؟ وأراد لها كل ليلة أن تعيش السهرة.
إنه يظهر بسيارته فجأة، ويفتح نافذة السيارة الأمامية ليتكلم معها عن العرض الأخير.
مجدي: إيه الي نزلك لتحت يا قمر؟
دلال: كنت عايزة أشم هوا، هوه القمر ما بيقدرش يشم هوا؟!
مجدي: ما تدخلي العربية ونشم هوا سوا في حته تانية، المكان ده بيخنقني يا دلال.
دلال: طيب يا مجدي بيه، حاضر.
هزت رأسها بعد أن تذكرت ما حدث لأغلب الدمى، فحموقَّه المطبلاتي طُرد من الكابريه بعد ضبطه يسرق الألحان الهابطة، وشربات لم تعد تستفيق من أي سبات ولا تريد أن تقدم أي عرض مسرحي لتكاثر النقاد وزيادة الرواد المدركين للفن، وشكشك عانى من الصداع، كان بحاجة إلى حبات الثلج لعلاج صداع رأسه، لكنه حين دخل الثلاجة تجمد وذبل، وحسن الشطور اختبأ خلف الستارة وتبدل حاله وهزل لأنه لم يقدر على الحركة والحصول على البركة.
والأراجوز يا عيني على شعوره القديم الذي مات.
قد دخل في سجال مع الحياة.
وكان ردها أن منحت ضحكته وروحه إلى حلمي السكران.
الذي تمنى أن يصبح إنسان.
جاء إلى حلمي ناظر مدرسة ابتدائية في الحي الكبير، اسمه ممدوح رفعت، طلب منه أن يعمل في المدرسة مونولوجستًا يُقدِّم العروض التي تُسعد الأطفال بوصلة غنائية لمحمود شكوكو، حين غنى أغنية الأراجوز، وكانت الكلمات كالتالي:
يا ولاد يا ولاد ..اتفرجوا.. الأراجوز…أبو الحظوظ المتكلم.
الأراجوز، اللوز اللوز، يا سلام سلم، يا شكوكو يا صاحب الأراجوز.
غنِّي…غنِّي… وإملا الدنيا حظوظ.
أي حظ سيعود للأراجوز المتكلم، إنه قد عاند عمي رجب، وتحدّى الأقدار وابتعد عن الشطار، ولوّع فؤاد جارته الحلوة دلال، وقَلَبَ الطاولة على الجميع، في هذا الربيع، حتى راحت روحه إلى القدير، هل كان عاصيًا؟ وهل كان منافسًا في شره للبشر؟ هذا الأراجوز لم يدرِ أنه حين حشر نفسه في هذا العالم، لم يكن إلّا الأراجوز ابن الحاج رجب سليمان.
النهاية
