حمد الناصري
انقبضت أصابع منصور على الهاتف وهو يطلب الأرقام (9689...) بعجلة وتوتر، وما إن جاءه الصوت حتى هتف بنبرة خافتة حذرة:
ـ آلو.. سيدي؟ لُقِّنت الأنظمةُ كلَّ شيء، والأوراقُ الآن بيد أحمد بن عبدالله البحر!
في هذه اللحظة، تنفّس الأستاذ سليمان الصعداء؛ شعر بجبال من القلق تنجلي عن صدره وهو يستمع عبر هاتفه إلى تفاصيل ذلك الخبر المصيري. لم يملك إلا أن يُثني على مُحدثه بإعجاب قائلاً:
ـ أنتَ كبير.. كبير في كل عمل تقوم به!
وضع سليمان العمّوري سماعة الهاتف في مكانها، ثم التفت ببطء متأملاً الفراغ. تغيّرت ملامحه فجأة، يرسل نظرة حائرة إلى الأفق البعيد؛ نظرة امتزجت فيها الوطنية بحسّها الأمني، وتداخلت مع أمانة أجيال المستقبل. تمتم بنبرة حازمة يملؤها الندم:
ـ أحمد ليس رجلاً عادياً؛ إنه عقلية غفلنا عنها طوال هذه السنين، بل إننا استغفلناه وما كان ينبغي لنا أبداً أن نستهين بعبقرية كهذه. رجلٌ يملك رؤية وطنية نافذة، وحسّاً أمنياً رفيعاً.. تباً لغبائنا!
*
غادر سليمان قاعة التحكم متوتراً بشدة وتوجه نحو "وحدة أمن الماء الأزرق"، تاركاً خلفه ملف مشروع "المدينة الكبرى" بعدما أدرك متأخراً عبقرية أحمد. اجتاحت سليمان مشاعر الندم متذكراً تحذيرات أحمد الصارمة بشأن ضرورة مواكبة ثورة التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، وهي التحذيرات التي قوبلت سابقاً باستهانة غير مبررة.
خطا خطواته الأخيرة مضطرباً، ودخل بوابة وحدة الأمن مصدوماً بالثقل الرهيب للخبر الذي تلقّاه للتو عبر المكالمة. وما إن ولج مكتب الإدارة، حتى نهض أحمد واقفاً، واستقبله بابتسامة واثقة رصينة قائلاً:
ـ إنه ليوم مبارك أن يأتي الأستاذ سليمان العمّوري بنفسه إلى مكتب وحدة الماء الأزرق!
تقدّم أحمد وسحب كرسي الصدارة، مشيراً إلى سليمان ليجلس عليه. انكمش سليمان أمام نبل الفتى حرجاً، لكن أحمد استوقفه بنبرة وفاء صادقة:
ـ أرجوك يا سيدي.. أنت من علّمتني كل شيء، ولولا توجيهاتك ورعايتك لما وصلتُ اليوم إلى دفة إدارة هذه الوحدة الحساسة.
جلس سليمان وعقله ما زال يغلي بأفكار الماضي والندم، بينما اتخذ أحمد المقعد المقابل. ساد الصمت للحظات قبل أن يقطعه بهدوء وثقة، موجهاً حديثه لمن كان يستخف بأفكاره سابقاً:
ـ لا يزال هناك سؤال قديم يُؤرقني يا سيدي.. وبما أن معلّمي حاضر أمامي الآن، فلعله يدلو بدلوه: ألا يجدر بنا أن نخشى من هذه الثورة التكنولوجية المتسارعة؟ إن تأثيرها قد يتحول بشكل رهيب ومباغت على البيئة والواقع الذي نعيشه؛ هذا السؤال أطرحه على نفسي دوماً.. فشاركني رؤيتك.
صمت سليمان لبرهة، وشخص ببصره نحو النافذة الزجاجية الكبيرة المطلة على أفق المدينة الممتد بين البحر والجبل. أخذ يرقب النجوم البعيدة وانعكاس ضوئها الفضي البارد على الصخور الساكنة في عتمة الليل، وكأنّما يستمد من ذلك الجلال المهيب إجابة تليق بحجم السؤال.
التفت إلى أحمد، وتابع بنبرة يكسوها وقار الحكيم وجلال التجربة:
ـ كما يبدو لي يا أحمد.. إننا في أمسّ الحاجة اليوم إلى تغيير جذري في آلية تصدينا لهذه التدفقات المعلوماتية الهائلة في شتى المجالات. لقد بدأت هذه الأدوات الرقمية تستبيح أفكارنا، وتخترق عقول أجيالنا التي لم تُحصّن تحصيناً كافياً ضد تطبيقاتها المتغلغلة في عمق خصوصياتنا.
صمت قليلاً ليترك لكلماته صدى في أرجاء المكتب، ثم أكمل بنبرة تحذيرية عميقة:
ـ في قادم الوقت، سيكون كل شيء في متناول اليد وبأبخس ثمن؛ والسؤال الحقيقي: كيف سنحمي أمام هذا الطوفان الرقمي الجارف ثوابتنا، وهويتنا، وتاريخنا العريق الذي تحدثنا عنه قبل قليل؟
ألقى أحمد نظرة دافئة يملؤها التقدير والوفاء نحو أستاذه سليمان، ثم ما لبثت ملامحه أن اتخذت طابع الصرامة، وقال بنبرة يمتزج فيها الحزم باليقين:
ـ كما قلتَ سلفاً يا سيدي؛ إنّ أي طفرة تقنية تُولد بلا قيَم، وتنمو بلا كوابح أخلاقية، هي نبتة لا جِذْر لها، وحتماً ستؤول إلى نتائج عكسية مُدمّرة.
صمتَ مُستجمعاً أفكاره، ثم تابع وكأنّه يُجيب عن التساؤلات الحائرة في ذلك العقل المُثقل:
ـ قد نسأل: لماذا؟ والإجابة حاضرة؛ لأن هذه الأدوات ستعمل مباشرة على خلخلة الروابط الاجتماعية والتقاليد الموروثة التي تشكّل عِماد أمننا واستقرارنا. إنها معلوماتية طاغية، ستقتحم البيوت والمخادع بلا رقيب. صِفُوها بما شئتم من مُسميات، لكنها في الحقيقة تكنولوجيا مجنونة لا حدود تكبح جماحها، تتدفق في فضاء كوني لا متناهٍ، وستبقى تتطور وتتوغل، وفقاً لتحولات الإنسان الداخلية وصراعه مع المُحيط من حوله.
قاطعه سليمان بفضولٍ متسائلاً بصوتٍ خفيض:
ـ هل الخوف الحقيقي يا أحمد من الثورة الاصطناعية والتكنولوجيا ذاتها، أم من أخلاقياتها الغائبة؟
عَقّب أحمد بهدوءٍ وثبات، مستنداً بظهره إلى المقعد:
ـ كما يبدو يا سيدي.. التخوف الأكبر يكمن في تلك التحولات الجذرية والمفاجئة؛ فهي بطبيعتها ـ بخلاف التبدلات التقليدية المألوفةـ غالباً ما تُثير القلق والذعر لدى البشر.
مال أحمد بجسده إلى الأمام قليلاً، وتابع بنبرة واثقة:ـ وقد تسألني: لماذا؟ وأقول لك: لأنها تقتحم شؤون مُستقبل البشرية عنوة، وتُعيد تشكيل تفاصيلها بسرعة خاطفة لا ترحم، خاصة إذا ما قُورنت بالتغييرات التدريجية البطيئة التي يسهل على العقل البشري التنبؤ بها، واستيعابها، ومواكبتها.
عقّب سليمان بتوجس بائن، قاطعاً حبل الأفكار المسترسلة وهو يشير بيده متسائلاً:
ـ ولماذا يا أحمد؟ كيف يمكن لهذه التحوّلات الجذرية أن تلغي مرونة الإنسان في التكيف وتُجَرّده منها؟ أليست هي ذاتها الأدوات التي وُجدت لتسهّل تطلعاته المُستقبليّة، وتطوع الصعاب لأجله؟
ردّ أحمد بنظرة ثاقبة ارتسمت فيها ابتسامة باهتة تحمل مرارة الواقع، وأجاب بنبرة هادئة حاسمة وضعت حداً لهذا الجدل الفلسفي بين جيلين:
ـ نعم يا سيدي، وُجدت لتخدمه في الظاهر، لكن المعضلة تكمن في ذاك التباين الزمني الطاغي؛ في الماضي، كان الإنسان يتطور جنباً إلى جنب مع أدواته، فيملك الوقت الكافي لترويضها وصياغة القوانين التي تحكمها. أما اليوم، فالتقنيات المعاصرة تتطور بقفزات هندسية مرعبة تفوق سرعة الإدراك البشري وقدرته على التشريع والتكيف الجيني أو النفسي.
توقف لثانية، وتابع بصرامة:
ـ عندما يتنازل الإنسان عن مهاراته الأساسية، وعن حسه الأمني، وحتى عن تفكيره النقدي لصالح الآلة والذكاء الاصطناعي بدعوى الرفاهية، فإنه لا يعود سيداً لهذه الأدوات، بل يصبح رهينة لها. الطوفان الرقمي اليوم لا يمنحنا ترف الوقت لنخطئ ونمارس مرونة التكيف المعهودة؛ فالخطأ التكنولوجي الواحد في قادم الأيام قد يعني محو هويّة أمة بأكملها، أو اختراق أمنها القومي بلمحة بصر في فضاء افتراضي لا نملك معرفته كاملة.
أطبق الصمت على أرجاء المكتب الصغير في "وحدة أمن الماء الأزرق". تلاقت نظرات الرجلين؛ نظراتٌ اختصرت حكاية الأمس واليوم، وثبّتت ملامح القائد الجديد الذي يمسك بدفّة القيادة ويستشرف الأفق. لعلّ كلماتِ أحمد الأخيرة وضعت النقاط على حروف الحقيقة في عقل سليمان، لتنتهي معها فصول الحيرة والإنكار.
*
لحق بسليمان أحد رجال الوحدة الأمنية؛ رجلٌ غامض الملامح لم يتعرّف عليه أحمد للوهلة الأولى، وقِيل في الردهات إنه أحد كبار المسؤولين عن المشاريع الاستراتيجية في "المدينة الكبرى". لكن هذا المسؤول كان يعرف أحمد جيّداً؛ يَعلم عِلم اليقين مدى سعة معرفته وعُمق حسّه الأمني المتين، وتلك العبقرية الفذة التي تجسّدت أمامه عبر التقارير السرّية المتلاحقة المرفوعة إليه من الثلاثي: سليمان، ومنصور، وسعيد؛ تقاريرُ كانت بمثابة الخيوط الخفية التي نسجت مكانته الحالية.
مرّ المسؤول وأحمد يرقبه بصمت حذر. وعند نهاية الباب المُفضي إلى الممَر الخارجي، مال سليمان نحو منصور وهمس له بنبرة حازمة:
ـ عليك حثّ جميع العاملين على البقاء في أعلى درجات اليقظة.. سأبقى متأخراً في المكتب الليلة حتى مطلع الفجر.
انفرَدَ سليمان بأحمد داخل المكتب المغلق. خيّم الصمت للحظات قبل أن يكسره سليمان، ملتفتاً إليه بنبرة خافتة تحمل وزناً ثقيلاً:
ـ هناك أمر أشد خطورة يا أحمد.. لقد تمّ رصد تحركات مريبة في أزقة "السوق الكبير".
تلاقت نظراتهما، وتابع سليمان كاشفاً الأوراق لأول مرة، لم يكن توقيت هذا الاستنفار عفوياً، بل تزامن بدقة مع أولى زيارات ذلك المسؤول الكبير للوحدة اليوم.
قال سليمان المسؤول الأول عن أمن السوق:
ـ اعلم يا أحمد.. رغم عبقريتك وثقتك، لستَ المسؤول الأوحد هنا. ثمة سُلطات وعقول خفية تُدير المشهد من خلف الستار؛ عقولٌ مسؤولة عن مخططات ومشاريع لا تعرف عنها شيئاً حتى هذه اللحظة، ونحن جميعاً تحت مجهرها.
اتسعت عينا أحمد مذهولاً مما كشفه له سليمان؛ فعلى الجانب الآخر من المدينة، ثمة صراعٌ خفي يفرضه الواقع، وتتعامل معه القيادات بيقظة تامة وترقبٍ واعٍ؛ حذرٌ صامت لا يعلم به كثير من الناس، لكي ينعم المجتمع بالأمان ويطمئن.
تلاقت نظراتهما، وتابع سليمان كاشفاً الأوراق لأول مرة، لم يكن توقيت هذا الاستنفار عفوياً، بل تزامن بدقة مع أولى زيارات ذلك المسؤول الكبير للوحدة اليوم.
قال سليمان المسؤول الأول عن أمن السوق:
ـ اعلم يا أحمد.. رغم عبقريتك وثقتك، لستَ المسؤول الأوحد هنا. ثمة سُلطات وعقول خفية تُدير المشهد من خلف الستار؛ عقولٌ مسؤولة عن مخططات ومشاريع لا تعرف عنها شيئاً حتى هذه اللحظة، ونحن جميعاً تحت مجهرها.
مال سليمان عليه، وعطف بهمسة وقورة قائلاً:
ـ احرص على الوحدة الأمنية كما تحرص على الوحدة الوطنية. ما يهمنا هو بناء الجسور المتينة دون إثارة مخاوف ظاهرة؛ هذا هو دأبنا ومنهجنا منذ القِدم.. نستشعر الخطورة ولا نهملها أبداً، وإن قست الظروف واشتد الغليان، فنارنا تشتعل من تحت الرماد، وصخورنا راسية كالجبال فوقها. نحن نُحيط بالسوق، وبمشاريع المدينة الكبرى، وبالقرية والوادي، ممسكين بزمام الأمن دون أن يشعر بنا أحد. لدينا عقيدة أمنية عريقة ومتجذرة تجمع بين اليقظة الصارمة والحفاظ على الطمأنينة العامة.
أومأ أحمد برأسه إيماءة بطيئة تحمل ثقل الالتزام وقسم الولاء، ولم ينطق بكلمة؛ فالصمت في حضرة هذه العقيدة كان أبلغ من أي حديث.
وفي تلك اللحظة، كانت خيوط الفجر الأولى تتسلل عبر النافذة الزجاجية الكبيرة لوحدة أمن "الماء الأزرق"، لتغمر فضاء المكتب بنور الصباح. وقف سليمان وأحمد جنباً إلى جنب، يرقبان انبثاق الضياء على الواجهة البحرية الشرقية المفتوحة، مُحيطنا البحري العميق ويُلقيان نظرة تفقدية على أطراف المدينة الكبرى التي بدأت تستيقظ بسلام.
نظر سليمان إلى تلميذه بطمأنينة، فبادله أحمد ابتسامة الفخور الواثق، وتمتم بنبرة صادقة:
ـ لقد وضعنا العهد على حروف الثقة يا سيدي.. وفخور بك، فأنت وحدك العبقرية المُلهمة؛ أنت لهيب حسمنا، والأخَوان سعيد ومنصور كالجبال، ومَن معنا ممّن لا نعرفهم كالصخور الراسية؛ حراساً مُخلصين للفجر المُنتظر، وقافلتنا تسير بصمت، تحقيقاً لأمانٍ مُستمر.
