ما وراء الأرقام.. قراءة نقدية في التقرير السنوي لـ"الغرفة"

 

 

د. علي الحامدي

يمثل التقرير السنوي لغرفة تجارة وصناعة عُمان لعام 2025 وثيقة مهمة تعكس حجم الأنشطة والمبادرات التي نفذتها الغرفة خلال العام، كما يقدم صورة شاملة عن جهودها في تمثيل القطاع الخاص وتعزيز التواصل مع مختلف الجهات الحكومية والاقتصادية. غير أن القراءة الموضوعية للتقارير المؤسسية لا تقتصر على استعراض حجم الأنشطة المنفذة، بل تمتد إلى تقييم أثرها الفعلي على بيئة الأعمال ومستوى انعكاسها على أداء القطاع الخاص واستدامته.

ومن هذا المنطلق، تأتي هذه القراءة النقدية بهدف الإسهام في تطوير الأداء المؤسسي وتعزيز دور الغرفة كشريك فاعل في دعم الاقتصاد الوطني، بعيدًا عن أي انتقاص من الجهود المبذولة أو التقليل من الإنجازات المحققة.

أولًا: الحاجة إلى التركيز على مؤشرات الأثر

يبرز التقرير أرقامًا لافتة تتعلق بعدد الاجتماعات والملتقيات والمؤتمرات والوفود التجارية التي تم تنظيمها خلال العام. ولا شك أن هذه الأنشطة تعكس حراكًا مؤسسيًا نشطًا، إلا أن المستثمر وصاحب العمل يتطلع بصورة أكبر إلى معرفة نتائج هذه الجهود على أرض الواقع.

ومن هنا تبرز أهمية استكمال مؤشرات النشاط بمؤشرات أثر أكثر وضوحًا، مثل:

•  عدد فرص العمل التي أسهمت هذه المبادرات في توفيرها.

•  حجم الاستثمارات أو العقود التجارية الناتجة عنها.

•  عدد التحديات التنظيمية التي تم معالجتها بالتنسيق مع الجهات المختصة.

•  مستوى رضا القطاع الخاص عن الخدمات والمبادرات المقدمة.

فقياس النتائج النهائية يتيح تقييمًا أكثر دقة للعائد الاقتصادي والمؤسسي للأنشطة المنفذة.

ثانيًا: تعزيز الشفافية المالية

يشير التقرير إلى نمو أصول المحفظة الاستثمارية للغرفة، وهو مؤشر إيجابي يعكس متانة المركز المالي للمؤسسة. وفي المقابل، قد يكون من المفيد مستقبلًا توسيع نطاق الإفصاح المالي ليشمل عرضًا أكثر تفصيلًا لبنود المصروفات التشغيلية وأوجه الإنفاق الرئيسة.

إن توفير مثل هذه البيانات يعزز ثقة المنتسبين وأصحاب الأعمال، ويدعم مبادئ الحوكمة والشفافية التي أصبحت من أهم معايير تقييم المؤسسات الحديثة.

ثالثًا: أهمية عرض التحديات إلى جانب النجاحات

احتفى التقرير بزيادة عدد المنتسبين الجدد، وهو مؤشر إيجابي على استمرار جاذبية بيئة الأعمال. غير أن الصورة المتكاملة للاقتصاد تتطلب أيضًا رصد التحديات التي تواجه المنشآت، بما في ذلك معدلات التعثر أو الإغلاق في بعض القطاعات.

إن عرض النجاحات والتحديات معًا يمنح التقرير بعدًا استراتيجيًا أكبر، ويساعد صناع القرار على تحديد الأولويات ووضع حلول أكثر فاعلية لدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتعزيز استدامتها.

رابعًا: تطوير مؤشرات الأداء المؤسسي

تضمن التقرير مؤشرات تتعلق بالحضور الإعلامي والتفاعل الرقمي، وهي مؤشرات مهمة لقياس انتشار الرسالة المؤسسية وتعزيز التواصل مع مجتمع الأعمال.

ومع ذلك، فإن المستثمر يهتم بدرجة أكبر بمؤشرات الأداء المرتبطة مباشرة بتحسين بيئة الأعمال، مثل:

•  سرعة معالجة القضايا والتحديات التي يواجهها المستثمرون.

•  نسبة التوصيات التي تم اعتمادها أو تنفيذها.

•  مستوى التحسن في الخدمات المقدمة للقطاع الخاص.

•  الأثر الاقتصادي للمبادرات والبرامج المنفذة.

وبذلك تصبح مؤشرات الأداء أكثر ارتباطًا بالأهداف الأساسية للغرفة.

خامسًا: قياس أثر التوصيات والمبادرات

أشار التقرير إلى عدد كبير من التوصيات والمقترحات التي خرجت بها بعض المبادرات واللقاءات. غير أن القيمة الحقيقية لهذه المخرجات تكمن في متابعة تنفيذها وقياس أثرها.

ومن المفيد مستقبلًا تضمين مؤشرات توضح:

•  عدد التوصيات التي تم اعتمادها.

•  عدد المبادرات التي تحولت إلى سياسات أو إجراءات تنفيذية.

•  الأثر الاقتصادي والتنظيمي الناتج عنها.

فالمتابعة والتقييم المستمر يمثلان الحلقة الأهم في دورة العمل المؤسسي.

سادسًا: تعزيز الدور الاستباقي في صناعة السياسات

يكشف التقرير عن جهود ملحوظة للغرفة في دراسة بعض القرارات الاقتصادية والتنظيمية وآثارها على القطاع الخاص. إلا أن المرحلة القادمة قد تتطلب تعزيز الدور الاستباقي للغرفة، بحيث تسهم بصورة أكبر في مناقشة السياسات والتشريعات خلال مراحل إعدادها الأولى.

فكلما كان القطاع الخاص حاضرًا في مراحل تصميم السياسات، زادت فرص الوصول إلى حلول متوازنة تراعي الأهداف الوطنية ومتطلبات النمو الاقتصادي في الوقت ذاته.

الخلاصة

يعكس التقرير السنوي لعام 2025 حجم الجهد المؤسسي الذي تبذله غرفة تجارة وصناعة عُمان في خدمة القطاع الخاص وتعزيز التواصل مع مختلف الشركاء. غير أن المرحلة المقبلة تتطلب انتقالًا تدريجيًا من التركيز على مؤشرات النشاط إلى التركيز على مؤشرات الأثر والنتائج، مع تعزيز الشفافية، وتطوير أدوات قياس الأداء، وتوسيع دور الغرفة في متابعة تنفيذ التوصيات والمشاركة الاستباقية في صناعة السياسات الاقتصادية.

ويبقى نجاح الغرفة مرهونًا بقدرتها على تحقيق التوازن بين دعم التوجهات الوطنية وتمثيل مصالح القطاع الخاص، بما يسهم في بناء بيئة أعمال أكثر تنافسية واستدامة، ويعزز ثقة المستثمرين في الدور الذي تضطلع به المؤسسة باعتبارها الممثل الرئيس للقطاع الخاص في سلطنة عُمان.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z