عباس الزدجالي
يمثل برنامج «امتداد» للمحطات المجتمعية للطاقة الشمسية خطوة نوعية في مسار التحول نحو الطاقة النظيفة في سلطنة عُمان؛ لأنه لا يحصر الاستفادة من الطاقة الشمسية فيمن يملك سطحًا مناسبًا أو قدرة مالية على تركيب الألواح، بل يفتح الباب أمام نموذج أكثر عدالة ومرونة، يقوم على إنشاء محطة شمسية مركزية يشترك في إنتاجها عدد من المستفيدين، ثم يحصل كل مشترك على نصيبه من الطاقة المنتجة في صورة رصيد أو خصم يظهر مباشرة في فاتورة الكهرباء.
هذه الفكرة ليست جديدة عالميًا. فقد ظهرت نماذج الطاقة الشمسية المجتمعية في الولايات المتحدة منذ العقد الأول من الألفية، ثم توسعت في ولايات عديدة مثل كولورادو وماساتشوستس ونيويورك؛ حيث أتاحت للمستأجرين وسكان الشقق وأصحاب المنازل غير المناسبة لتركيب الألواح الشمسية المشاركة في مشاريع طاقة متجددة مشتركة. كما عرفت أوروبا نماذج مشابهة من خلال تعاونيات الطاقة في ألمانيا والدنمارك وبريطانيا، حيث لا يكون المواطن مجرد مستهلك للكهرباء، بل شريكًا في إنتاجها والاستفادة من عوائدها.
وتكمن أهمية هذا النموذج في معالجته لإحدى العقبات الرئيسة أمام انتشار الطاقة الشمسية، وهي عدم قدرة الجميع على تركيب الألواح فوق منازلهم أو منشآتهم. فهناك من يسكن في شقة سكنية، أو منزل مستأجر، أو مبنى لا يسمح تصميمه الهندسي بذلك. وهنا تأتي المحطة المجتمعية لتجعل الاستفادة من الطاقة الشمسية متاحة للجميع، لا امتيازًا لفئة محددة فقط.
وفي السلطنة يُنفَّذ برنامج «امتداد» في مرحلته الحالية بالتعاون مع الشركات المرخَّصة في قطاع الكهرباء، أي ضمن إطار تنظيمي رسمي يضمن ربط المحطات بالشبكة العامة واحتساب أرصدة المشتركين في الفواتير بطريقة منظمة وشفافة. ويجعل ذلك البرنامج أقرب إلى نموذج الطاقة الشمسية المجتمعية المعمول به في عدد من الدول المتقدمة، حيث يستفيد المواطن أو المؤسسة من حصة في محطة مشتركة دون الحاجة إلى تركيب ألواح على سطح المنزل أو مقر العمل.
غير أن أهمية «امتداد» لا تكمن فقط فيما يقدمه اليوم، بل فيما يمكن أن يمهد له مستقبلًا. فمع نضج التجربة وتوسعها، يمكن تطويرها إلى نماذج أكثر تقدمًا تقوم على إنشاء شركات أو جمعيات تعاونية للطاقة الشمسية يملكها المواطنون المشتركون أنفسهم ويديرونها بصورة جماعية.
وعندها لا تصبح الطاقة الشمسية مجرد وسيلة لخفض فاتورة الكهرباء، بل تتحول إلى أصل اقتصادي منتج ومصدر دخل مستدام، بحيث يشارك المواطن في تمويل المحطة وامتلاكها والاستفادة من عوائدها، سواء عبر توزيعات الأرباح أو إعادة استثمار الإيرادات في مشاريع طاقة جديدة. وهذا هو الفارق الجوهري بين الاشتراك في محطة مجتمعية وبين التعاونية الشمسية؛ فالأول يمنح المستفيد حق الانتفاع بالطاقة، بينما يمنحه الثاني صفة المالك والشريك في إنتاجها وعوائدها الاقتصادية.
تأتي هذه الخطوة ضمن مسار أوسع تتبناه سلطنة عُمان للاستفادة من مصادر الطاقة النظيفة بمختلف أنواعها. فقد قطعت السلطنة خلال السنوات الأخيرة خطوات مهمة في تطوير مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر، واضعةً نصب أعينها تحقيق أهداف الاستدامة وتنويع مصادر الدخل الوطني وتقليل الانبعاثات الكربونية.
وقد شهدت السلطنة تشغيل مشاريع شمسية كبرى مثل محطتي عبري ومنح، إلى جانب مشاريع الرياح في محافظة ظفار التي تعد من أفضل المناطق في المنطقة العربية من حيث موارد الرياح. كما تتجه الأنظار إلى مشاريع الهيدروجين الأخضر التي تسعى عُمان من خلالها إلى أن تكون مركزًا إقليميًا وعالميًا لإنتاج وتصدير الوقود النظيف في العقود المقبلة، مستفيدة من موقعها الجغرافي ومواردها الطبيعية الواسعة من الشمس والرياح.
وفي هذا السياق، يكتسب برنامج «امتداد» أهمية خاصة؛ لأنه ينقل التحول في قطاع الطاقة من مستوى المشاريع الحكومية والاستثمارات الكبرى إلى مستوى المشاركة المجتمعية المباشرة. فبدلًا من أن يقتصر دور المواطن على استهلاك الكهرباء، يصبح شريكًا في إنتاج الطاقة النظيفة والاستفادة من منافعها الاقتصادية والبيئية.
أما من الناحية البيئية، فإن المحطات الشمسية المجتمعية تسهم في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وخفض الانبعاثات المسببة للتغير المناخي، كما تساعد على تخفيف الضغط على الشبكة الكهربائية خلال فترات الذروة، خصوصًا في بلد يتمتع بمعدلات سطوع شمسي مرتفعة على مدار العام مثل سلطنة عُمان. ومن الناحية الاقتصادية، فإنها تتيح فرصة لتخفيض فواتير الكهرباء، وتشجع على الاستثمار في قطاع الطاقة المتجددة، وتخلق فرص عمل جديدة في مجالات التصميم والتركيب والتشغيل والصيانة.
لكن نجاح التجربة سيعتمد في النهاية على تفاصيل التطبيق العملي، من حيث وضوح آليات الاشتراك، وعدالة توزيع المنافع، وشفافية احتساب الأرصدة في الفواتير، وضمان استفادة مختلف فئات المجتمع منها. فإذا ما أُحسن تصميم هذا النموذج وتنفيذه، فقد يتحول «امتداد» إلى أكثر من مجرد مشروع طاقة، ليصبح نموذجًا وطنيًا يرسخ ثقافة الاستدامة ويجعل من شمس عُمان موردًا مشتركًا يخدم المواطن والاقتصاد والبيئة في آنٍ واحد.
إنَّ الطاقة الشمسية المجتمعية ليست مجرد ألواح تولد الكهرباء، بل فكرة تقوم على إشراك المجتمع في صناعة المستقبل، بحيث تصبح الطاقة النظيفة حقًا مشتركًا وفرصة متاحة للجميع، وربما مستقبلًا مصدرًا للدخل والثروة المجتمعية، كما أصبحت في عدد من التجارب الرائدة حول العالم.
