ظفار حاضنة لكل ما يزرع فيها.. قيرون حيرتي الواعدة

 

 

 

د. عبدالله باحجاج

العنوان أعلاه ليس مُبالغة أو مُجاملة لمسقط رأسي؛ بل إنها حقيقة ينطق بها كل ما يظهر فوق سطحها قديمًا وحديثًا، فأي مبادرة زراعية في أي جزء من ترابها داخل بيئاتها الأربع (المدينة، الساحل، الجبل، البادية)، وأي غرس في هذه البيئات، يُنبت بأجود أنواع الثمار والفواكه والخضراوات، وهذا شأن كل جغرافيتنا الوطنية التي يغلب عليها الطابع الروحي، ونُخصِّص ظفار لانكشاف إمكانياتها الواعدة لزراعة البُن العربي، وهذا الانكشاف يعزز الانكشافات القديمة والحديثة؛ إذ احتضنت أشجار اللبان وأشجار النارجيل (جوز الهند) والموز والكركم والفواكه الاستوائية التي لا تجود في أغلبها البيئات الأخرى في المنطقة... إلخ.

ويتأصل في منظومة الوعي الاجتماعي الآن روحانية هذه الجغرافيا المباركة، بحيث أصبحنا على يقين بأن الله -جل في علاه- قد منح هذه الأرض قُدرة استثنائية على احتضان وإنبات ليس الأشجار فحسب؛ بل والمبادرات والأفكار الإيجابية التي فيها خير للبشرية والإنسانية. إنها بقعة يفيض عطاؤها بما أودعه الله فيها من بركة، وقد صدق الله تعالى في كتابه العزيز: "وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ"، وهذا معيار حاسم للبركة؛ فكل أرض مباركة يُعرف فضلها بما تُنبت من ثمار، وما تتركه من أثر طيب في التاريخ والإنسان، وهذا المعيار يتجسد في عموم الإنسان العُماني وتاريخه الحضاري، وأدواره الإنسانية العالمية.

هذه الحقيقة الدامغة تُحتِّم علينا القول إنه عندما تُبنى الرؤى على الإنسان العُماني باعتباره غاية التنمية ووسيلتها، وعلى أرضه باعتبارها مصدر الثراء ومجال الإنتاج، فلن تخذل أي مسيرة أو جهود تنطلق من خلال تلكما القناعتين، وهنا دعوة متجددة صريحة للإحساس بهذه الروح المباركة، ونجعلها أحد أهم ثوابت استقرارنا المعنوي والمادي.

ومحافظة ظفار -شأنها شأن محافظات البلاد الأخرى- هي جغرافيا روحية أسَّست بين الإنسان والطبيعة علاقة وجودية عميقة تتجاوز كل ما له جوانب مادية صلبة، لتجعلنا نبحث في روحانية العلاقة المشتركة، ولن نبالغ إذا ما قلنا إنَّ هذه حالة استثنائية ببلادنا حصرية، وإذا ما كُنَّا متواضعين، فيمكن القول إنه شعورنا بالإنسان ومحتواه الجغرافي. وهناك مجموعة استدلالات نقدمها هنا، أبرزها: طبيعة ظفار المُلهمة مثل الخريف بضبابه ورذاذه وهوائه العليل، والجبال الخضراء والأودية بهندستها الربانية البديعة، والعيون المائية والأضرحة والجوامع والمساجد التاريخية المنتشرة في مختلف ولاياتها، وكذلك الارتباط الوجداني الاجتماعي بالمكان؛ فأبناء ظفار وحتى من يزورها لأي غرض، ينظر إليها كمكان للطمأنينة واستعادة الروح أو على الأقل التوازن النفسي.

وما كشفه "ملتقى قيرون حيرتي" مؤخرًا من إمكانية نجاح زراعة البُن العربي في جبال ظفار، وبالذات في قيرون حيرتي التي ترتفع فوق سطح البحر أكثر من 900 متر، يُدلِّل على طرحنا سالف الذكر؛ فظفار ليست مجرد تربة تنبت الزرع، وإنما هي حاضنة للخير بكل أنواعه. وتقع قيرون حيرتي في الجزء الشمالي من ولاية صلالة على الطريق المؤدي من صلالة نحو ثمريت ومسقط، وتبعد عن مركز مدينة صلالة بنحو 25 - 30 كيلومترًا، وتشتهر بقربها من عدد من المعالم الطبيعية والتراثية مثل وادي دوكة، أحد مواقع أشجار اللبان، ووادي نحيز، وشلالات جوجب؛ وهي بذلك تجمع بين البُعد الزراعي والبيئي والتراثي في ظفار.

وتصبح قيرون حيرتي الآن منطقة واعدة لزراعة البُن خاصة، ولكل أنواع أمننا الغذائي عامةً، خاصة الاستوائية وشبه الاستوائية على مدار العام؛ مما يُعظِّم البُعد الزراعي لمنطقة الجبل، ومزرعة الأخ أحمد بن سعيد الكثيري (أبو صقر) -التي زرناها- في الجبل تكشف منذ 24 عامًا هذه الإمكانية؛ فبجهوده المتواضعة تمكن من زراعة أكثر من 700 صنف استوائي وشبه استوائي وبجودة عالية جدًا، ويزورها كبار المسؤولين في البلاد، ويُبدون إعجابهم الكبير بها، لكن ماذا بعد كل حالة إعجاب؟!

في تجربة زراعة البُن في قيرون حيرتي، إرادة وإنجاز يستوجب الإشادة بهما، وهي تتجلى في تحويل التحديات إلى فرص، وذلك عبر توفير المياه من مصدر دائم، وهو مصائد استقطاب الضباب؛ حيث تعمل شباكها على حبس قطرات المياه الصغيرة وتجميعها في أوعية خاصة، فكيف إذا ما أُدخلت التقنيات الحديثة؟ ويوجد الآن في مزرعة قيرون حيرتي 25 شجرة بُن، ومن أجود أنواع البُن العربي، والخطة ترمي إلى زراعة 100 شجرة؛ حيث يؤمل أن تتحول قيرون حيرتي لمنطقة لإنتاج أجود أنواع البُن العربي، ومحطة لتسويقه داخل السلطنة وتصديره خارجيًا.

ومن هنا.. نخرج برؤية تتناغم مع توجهات الدولة الاستراتيجية، وهي التعامل مع إنتاج البُن كمشروع اقتصادي متكامل، وضمن رؤية صناعة اقتصاد محلي لمحافظة ظفار، لا مجرد كتجربة زراعية، بحيث تعد قيرون حيرتي مؤشرًا جغرافيًا محليًا مستقبليًا يتحول إلى منتج نوعي مرتفع القيمة في ظل تنامي ثقافة القهوة في بلادنا ومنطقة الخليج وعالميًا. ونحتاج إلى التوسُّع المدروس في المزارع الجبلية عبر اختيار المواقع المرتفعة ذات التربة الجيدة والرطوبة المعتدلة، وجبال ظفار كلها كذلك. والنجاح المأمول هنا التوجه نحو التصنيع وليس بيع الثمار فحسب، وذلك عبر إقامة محامص متخصصة، ومراكز تجفيف ومعالجة، ومنافذ تسويق، وعلامة تجارية موحدة لبُن ظفار.

والتساؤل الذي نطرحه الآن على اللامركزية في ظفار: كيف نُحوِّل نجاح التجربة الزراعية في الجبل -وخاصة البُن- إلى صناعة اقتصادية متكاملة؟ النجاح هنا لن يوفر إيرادات جديدة ويعزز فكرة إقامة اقتصاد محلي مستدام ويوفر فرص عمل كثيرة وحسب، وإنما سيكون أيضًا أداة لتطوير المجتمع المحلي، وجعله يتطلع للمستقبل بمجموعة منافع؛ فالتنمية الاقتصادية حاملة للنمو والإيرادات والآمال الاجتماعية، ونقترح تشكيل لجنة محلية من عقول المحافظة تابعة مباشرة لمؤسسة المحافظ للتفكير في مثل هذه التحولات الكبرى، عوضًا عن تشكيل لجنة بصورة مستعجلة ترى في التحديات مشاكل مستعصية أو ذات صعوبة عالية، كما يحدث في قضية اللُبان الظفاري بعد تسجيله كمؤشر جغرافي في المنظمة الدولية للملكية الفكرية "الوايبو"، رغم الأهمية الكبرى لهذه الخطوة. (يراجع مقالنا "الخطوة التالية: جمعية لمنتجي اللُبان في ظفار"، وهي -أي الجمعية- خطوة أولية وضرورية وعاجلة).

ومن خلال هذه اللجنة ستُحل الإشكاليات والمشاكل التي وقعت فيها عملية تسجيل اللُبان في الوايبو، والتي سترفعها اللجنة -أو قد رفعتها- إلى صاحب السمو السيد مروان بن تركي آل سعيد، محافظ ظفار، وندعو سموه إلى اعتبار المعوقات التي ترفعها هذه اللجنة تحديات ينبغي تجاوزها في ظل الإيجابيات الكبيرة والمُتعاظِمة لعملية تسجيل اللُبان كمؤشر جغرافي في منظمة الوايبو، ويكون ذلك أولًا وسريعًا عبر تشكيل جمعية لمنتجي اللُبان في ظفار، ومن ثم حل ما وقعت فيه عملية تسجيل اللُبان من أخطاء يمكن استدراكها. ويُعوَّل على اللامركزية في ظفار الآن آمال كبيرة في إقامة اقتصاد متكامل؛ فهناك الآن اللُبان والبُن والكركم والخضراوات والفواكه، ليست مجرد محاصيل زراعية؛ بل يمكن أن تُشكِّل جميعها -وهي مجرد أمثلة فقط- ركائز لاقتصاد محلي مستدام وقوي، إذا أُحسن استثمارها ضمن رؤية تنموية شاملة.

الأكثر قراءة

z