سُلطان بن خلفان اليحيائي
دخل المواطن إلى السوق يبحث في "مخباه" عمّا يكفي لسلة صغيرة من المشتريات، فإذا برجل أنيق يقف إلى جواره ويسأله مبتسمًا: أما عرفتني؟
رفع المواطن رأسه وقال: لا، لم أرك من قبل.
أجاب الرجل: أنا الفائض المالي الذي يتحدثون عنه كل يوم.
ابتسم المواطن ابتسامة امتزج فيها التعجب بشيء من الأمل، وقال: سمعت عنك كثيرًا، لكنني لم ألتقِ بك من قبل.
قال الفائض: جئت اليوم لأصحبك في رحلة إلى صلالة؛ فالخريف هناك ينتظر الزائرين.
أخرج المواطن ما في "مخباه"، ونظر إلى الأوراق القليلة، ثم قال: وهل تكفي هذه لتذاكر السفر على طائرة أو لوقود السيارة وإقامة الأسرة وطعامها؟
ساد الصمت لحظات، ثم قال الفائض بصوت خافت: لستُ من نصيب الجميع.
أعاد المواطن بعض حاجاته إلى الرف، وحوقل، ومضى يتمتم: ما زلت أنتظر اللقاء الموعود.
هكذا تبدو المسافة بين الأرقام والواقع؛ حيث تتسع الفجوة بين التقارير والحياة اليومية حتى تعجز المؤشرات عن إخفائها.
هل وصل الفائض إلى المواطن فعلًا؟ أم أنه ما زال يختار من يصل إليه؟
كان رب الأسرة قبل سنوات يدخل السوق وهو يعلم أن ما في "مخباه" يكفي حاجات البيت، وربما عاد ومعه شيء من الطمأنينة قبل البضائع. أما اليوم، فكثيرٌ منهم يدخل السوق وهو يحسب ما سيتركه على الرفوف لا ما سيحمله إلى منزله، في ظل ارتفاع متواصل لكلفة الحياة وضغوط المعيشة.
وفي الوقت الذي تتزايد فيه الأسعار بوتيرة مستمرة، يقف المواطن أمام معادلة يومية مرهقة: راتب شبه ثابت مقابل نفقاتٍ تتسع بلا توقف. أما "المخبأ" فقد أصبح يُستنزف قبل نهاية الشهر، حتى بات بعض الناس يصفون هذا الواقع بـ"الغيز"، وآخرون يسمونه "القاطور"، في تعبير ساخر يخفي خلفه قلقًا متناميًا.
ولأن المواطن العُماني كان حاضرًا بصبره وتفهمه خلال سنوات التحديات الاقتصادية وإجراءات التوازن المالي، فإنه ينظر اليوم إلى الفوائض المالية بوصفها بداية مرحلة جديدة يُفترض أن تنعكس فيها ثمار التحسن الاقتصادي على تفاصيل الحياة اليومية، لا أن تبقى حبيسة المؤشرات والجداول؛ فالمواطن لا يطلب رفاهًا مبالغًا فيه، وإنما حياة مستقرة يستطيع فيها أن يوفر احتياجات أسرته، ويسدد التزاماته، ويواجه الطوارئ دون أن يُثقل كاهله الدين أو يرافقه القلق حتى نهاية الشهر.
وتشير تقديرات إلى أن الطبقة المتوسطة تواجه ضغوطًا متزايدة؛ إذ يجد الموظف الذي كان دخله يمنحه قبل سنوات هامشًا من الاستقرار، نفسه اليوم أمام مصروفات تتسع بوتيرة أسرع من نمو دخله.
إن تعزيز القوة الشرائية للمواطن لا يمثل عبئًا على الاقتصاد؛ بل هو استثمار في استدامة النمو. فكل ريال يدخل جيب الأسرة يعود إلى السوق حركةً وتجارةً وإنتاجًا وفرص عمل جديدة؛ فالاقتصاد لا يقاس فقط بحجم المشاريع والاستثمارات، وإنما بقدرة الإنسان على أن يعيش باستقرار داخل وطنه. والتنمية الحقيقية ليست أرقامًا في التقارير؛ بل طمأنينةٌ يحملها المواطن وهو يغادر السوق.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى قرارات أكثر جرأة تعيد التوازن بين المؤشرات الاقتصادية ومتطلبات الحياة اليومية، خصوصًا في ملفات الدخل وفرص العمل وكلفة المعيشة.
وفي قلب هذا المشهد، يبقى الباحثون عن العمل والمُسرَّحون من بعض القطاعات الفئة الأجدر بأن تتجه إليها ثمار النمو الاقتصادي؛ فهم لا يبحثون عن امتيازات استثنائية، بل عن فرصة تحفظ الكرامة وتبني المستقبل. كما أن استقرار هذه الفئة لا ينعكس على الجانب المعيشي فحسب، بل يمتد إلى الاستقرار الاجتماعي والأسري والنفسي، ويضيف إلى الاقتصاد المحلي طاقة بشرية أكثر إنتاجًا وثقة بالمستقبل.
المواطن، عندما تحرص الجهات الرسمية على أن يتحوّل الفائض المالي والتحسن الاقتصادي إلى أثر ملموس في تفاصيل المعيشة، وتُترجم السياسات التنموية إلى واقع يخفّف أعباء الحياة ويُحسّن شروطها، يزداد ارتباطه بوطنه وثقته بمؤسساته، ويتعزّز إيمانه بأن التنمية ليست أرقامًا تُعرض، بل واقعٌ يُعاش ويُحَسّ.
وعندما تشتد الضغوط المعيشية، لا تقف آثارها عند حدود السوق والراتب، بل تمتد إلى الأسرة والمحاكم والسجون، حيث تتحول بعض القضايا المالية البسيطة إلى أزمات اجتماعية مضاعفة.
ومن هنا يبرز تساؤل يستحق الدراسة حول مدى ملاءمة العقوبات السالبة للحرية في القضايا المالية البسيطة، وإمكانية أن تحقق البدائل، كالتشغيل أو الخدمة المجتمعية، توازنًا بين حفظ الحقوق وتقليل الأثر الاجتماعي.
إن الاستقرار الاقتصادي لا يتحقق بالنمو والأرقام وحدها، وإنما حين يشعر المواطن بأن التنمية تنعكس على تفاصيل حياته اليومية، وأن السياسات تسير في اتجاه يوازن بين الدولة والإنسان.
وعندما يستعيد البيت العُماني توازنه، وتقترب كلفة الحياة من مستوى الدخل، يعود رب الأسرة إلى السوق مطمئنًا لا يحسب ما سيتركه؛ بل ما سيأخذه، ويعود معه شيء من الطمأنينة قبل البضائع؛ فالفائض المالي يكتسب قيمته الحقيقية عندما يتحول إلى أثر يلامس حياة الإنسان ويمنح الأسرة استقرارًا وقدرة على التخطيط للمستقبل.
وفي اللحظة التي يصبح فيها الفائض أقرب إلى المواطن من المؤشرات، تتحول الأرقام إلى واقع، وتغادر التنمية صفحات التقارير لتسكن تفاصيل الحياة اليومية.
