◄ الزدجالي: الصلاحيات الواسعة لوزارة التنمية فرضها الواقع وضوابط الحوكمة
◄ الهنائي: القانون الجديد يعكس نضجًا وتطورًا تشريعيًا غير مسبوق
◄ الجهوري: اشتراطات تأسيس مؤسسات المجتمع المدني تعكس المرونة والتمكين
◄ الشافعي: عُمان تُواصل الجهود التشريعية لتلبية الالتزامات الدولية ومواكبة التحولات العالمية
الرؤية- ريم الحامدية
أجمع خبراء قانونيون ومتخصصون على أن قانون مؤسسات المجتمع المدني الجديد الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (64/ 2026)، يُمثِّل قفزة تشريعية نوعية في سلطنة عُمان، حيث جاء برؤية متطورة توازن بدقة وثبات بين متطلبات التحديث الإداري والتحول الرقمي، وبين الحفاظ على الأمن المجتمعي والسيادة الوطنية والثوابت الراسخة للدولة.
وأكد الخبراء- في تصريحات لـ"الرؤية"- أن هذا التشريع المُستحدَث يتبنى فلسفة قانونية مرنة تهدف في جوهرها إلى تفكيك البيروقراطية التقليدية، وإعادة هندسة الإجراءات وتيسيرها، مما يسهم في نقل قطاع النفع العام والعمل التطوعي من سياق الاجتهادات العشوائية إلى بيئة مؤسسية محكمة الحوكمة؛ ليكون هذا القطاع شريكًا استراتيجيًا فاعلًا ومحميا في مسيرة التنمية الشاملة وتحقيق مستهدفات الرؤية الوطنية المستقبلية.
واستهل الدكتور محمد الزدجالي أمين عام اتحاد المحامين الخليجين حديثه بالتعليق على الصلاحيات الممنوحة لوزارة التنمية الاجتماعية في القانون الجديد، حيث أكد أن الوزارة باتت تتمتع بموجب هذا التشريع بسلطات واسعة وصلاحيات كبيرة لدمج أو حل أي من مؤسسات المجتمع المدني. وأوضح أن القانون الجديد ولأول مرة أخضع كل مؤسسات المجتمع المدني لإشراف الوزارة المباشر والإجباري، مع تخويلها سلطات غير محدودة لفحص الأعمال الإدارية والمالية، بما في ذلك قرارات الجمعية العمومية، ومجلس الإدارة، ومجلس الأمناء.

وبيّن الزدجالي مفارقة جوهرية بين التشريعين السابق والحالي، مشيرا إلى أن القانون الجديد خلافًا للقانون القديم نص على عقوبات صارمة على من يخالف بعض النصوص، إذ قد تصل العقوبة إلى السجن لمدة عشر سنوات، وغرامة مالية تصل إلى 30 ألف ريال عماني، في حين أن الغرامة في القانون السابق لم تكن تتجاوز 500 ريال والسجن لم يكن يتعدى شهرًا واحدًا. كما أشار الزدجالي إلى النص صراحة على المسؤولية المدنية لأعضاء مجلس الإدارة عن جبر وتعويض الأضرار الناتجة عن التقصير والقرارات المخالفة للضوابط. وتفعيلًا لهذه الرقابة، ذكر أن القانون استحدث صفة الضبطية القضائية لموظفي الدائرة المختصة بالوزارة لضمان التطبيق الفاعل لأحكام القانون واللوائح والقرارات الصادرة بموجبه.
وقارن الزدجالي بين القانون الجديد والقانون المُلغى رقم 14/2000؛ حيث أوضح أن الجمعيات الأهلية سابقًا كانت تخضع لرقابة الوزارة فقط وليس إشرافها، ولم تكن للمفتشين صفة الضبطية القضائية؛ بل ضبط المخالفات العادية، مؤكدًا أن الفرق كبير جدًا من المنظور القانوني بين الإشراف والرقابة، وبين الضبط العادي والضبط القضائي. ومن هذا المنطلق التحليلي، أكد الزدجالي أن هذه التعديلات والسلطات الواسعة أملتها الضرورة وأوجبتها العولمة وإفرازاتها؛ وذلك بهدف حماية المجتمع، وضبط المؤسسية، والتماشي مع متطلبات النظام العام في السلطنة، وتنفيذًا لالتزامات سلطنة عُمان في الاتفاقيات الدولية الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مستشهدًا بالقرار الوزاري رقم 36/2023 كدليل واضح على هذه الضرورة.
واستطرد الزدجالي مبينًا أن الصلاحيات الواسعة فرضها الواقع لضبط مؤسسات المجتمع المدني وضمان عدم خروجها عن الغرض الذي أنشئت لأجله، وحوكمة إدارتها بما يضمن اتخاذ القرارات لخدمة أهداف المؤسسة بلا تجاوز أو تعارض مصالح ومحاسبة المتجاوزين، كما أنها تهدف إلى حماية المجتمع المحلي من أي أضرار قد تنتج حال انحراف المؤسسات عن أهدافها المشروعة، وضمان عدم استغلالها في أنشطة غير قانونية كغسل الأموال أو تمويل الإرهاب، بالإضافة إلى منع أي تعارض بين أعمال هذه المؤسسات والنظام العام.
الحقوق والواجبات
وفيما يتعلق بالحقوق والآليات القانونية المتاحة للأعضاء، أوضح الزدجالي أنه بالاطلاع على المادة (6) من القانون الجديد، يتضح أن المشرّع العُماني أتاح لذوي الشأن حق التظلم مباشرة إلى الوزير ضد أي قرار يصدر من الجهة المختصة، سواء صدر بموجب القانون أو استنادًا إلى لائحته التنفيذية. وأكد أن التظلم ضد قرارات الجهة المختصة يعد آلية جديدة كليًا لم يكن منصوصًا عليها في القانون السابق. وفسّر الزدجالي البُعد القانوني وراء هذا النص بأنه محاولة من المشرّع العُماني لخلق نوع من الموازنة العادلة بين السلطات والصلاحيات الواسعة الممنوحة للدائرة المختصة بالوزارة في اتخاذ قرارات الضبط القضائي أو الحل والدمج وحل مجالس الإدارة، وبين حق ذوي الشأن في التظلم، مما يجعل الوزير مطلعًا بشكل مباشر على صحة القرارات المتخذة، وهو ما يسهم في مزيد من الضبط والرقابة على الجهة المختصة وعلى المؤسسات ذاتها.
وفي المحور المالي، بيّن أمين عام اتحاد المحامين الخليجيين أن القانون الجديد جاء أكثر مرونة وتوسعًا في تنظيم الموارد المالية للجمعيات مقارنة بالقانون السابق؛ حيث أشار إلى استحداث موارد جديدة لم تكن موجودة سابقًا، مثل الإيرادات التي يقرها مجلس الإدارة بشرط موافقة الوزارة، وإيرادات الأنشطة والاستثمارات، وأموال الوقف. وأضاف أن المشرّع منح مؤسسات المجتمع المدني مزايا مالية تعضد موقفها وتقلل تكاليفها، حيث منحت المادة (15) الجمعيات الأهلية إعفاءات ضريبية على الواردات، وإعفاءات من رسوم التملك العقاري، وتخفيض الرسوم المفروضة، وأي مزايا أخرى يقررها الوزير.
وفي المقابل، أكد الزدجالي أن هذا التوسع واجهته ضوابط قانونية وصارمة لحماية الأموال وحوكمتها؛ حيث نوّه بأن المشرّع العُماني نص في المادة (35) من الفصل الرابع على أن أموال الجمعيات الأهلية تعد مالًا عامًا في نطاق المسؤولية الجزائية. ووضح أن مالية الجمعية باتت تخضع للتدقيق الحسابي، ولها سنة مالية وميزانية وحساب ختامي وفقًا للمادة (37)، كما أن أعضاء مجلس الإدارة مسؤولون بالتضامن فيما بينهم عن القرارات الصادرة عن المجلس. وشدد على أنه يُحظر على أعضاء الجمعية العمومية تحقيق أي أرباح شخصية، كما لا يستحقون أجورًا نظير أعمالهم، بالإضافة إلى فرض قيود مشددة على تصرفاتهم ومعاملاتهم المالية وفقًا للمادة (19).
واختتم الزدجالي تصريحه بالتأكيد على أن القانون الجديد جاء متوازنًا للغاية؛ إذ أفسح الطريق لمؤسسات المجتمع المدني لتقوم بدورها التنموي والاجتماعي المهم، وفي الوقت ذاته أحكم الرقابة والإشراف لضبط هذه المؤسسات وضمان عدم خروجها عن الأهداف والأنشطة المرخص لها بمزاولتها وفق وثائق التأسيس.
شمولية القانون
من جانبه، قال الدكتور أحمد الهنائي، رئيس مركز البحوث والدراسات الجامعية والمتخصص في القانون الدستوري والعلوم السياسية، حديثه بالتركيز على الملامح والمبادئ الجوهرية التي استحدثها القانون الجديد، حيث أكّد أن الملمح الأبرز والأكثر أهمية يتمثل في شمولية وتنظيم كافة مؤسسات المجتمع المدني، إذ اتسع النطاق التشريعي بشكل ملحوظ ليشمل، بالإضافة إلى الجمعيات الأهلية التي كان يقتصر عليها القانون السابق، كلًا من الجمعيات المهنية، والجمعيات ذات النفع العام، والمؤسسات الأهلية، والأندية الاجتماعية، فضلًا عن وضع إطار تنظيمي متكامل للعمل التطوعي.

وفي سياق تحليله لأبعاد التغيير ودلالاته، أوضح الهنائي أن الانتقال من مسمى "الجمعيات الأهلية" إلى مسمى "مؤسسات المجتمع المدني" يعكس نضجًا وتطورًا تشريعيًا كبيرًا في السلطنة، وبيّن أن المسمى الجديد يمتاز بالشمولية والاتساع لاستيعاب كافة المكونات المؤسسية المجتمعية، والدقة والضبط في الإطار المفاهيمي لماهية تلك المؤسسات ونظام عملها الإداري والمالي، إلى جانب الوضوح في بيان العقوبات اللازمة لردع المخالفين للنصوص القانونية. وأشاد بهذه الخطوة مؤكدًا أن المشرّع العُماني قد أحسن صنعًا في تقنين هذه المؤسسات المدنية وتحت مظلة تشريعية واحدة من التنظيم والتأطير، مما يعكس جودة وفاعلية العمل المؤسسي والتشريعي في آن واحد.
وعن أبعاد السياسة التشريعية في السلطنة ومواكبتها للمستقبل، أوضح الهنائي أن الفلسفة التشريعية العُمانية، وفقًا للنهج السياسي الحكيم، اعتمدت دائمًا على مبدأ التدرج المرحلي في مواكبة مسيرة التنمية المحلية، والدراسة الواقعية للتطورات الدولية، وهو ما يتجلى بوضوح في أعمال السلطة التشريعية. وأكّد في هذا الصدد أن المشرّع الوطني يضع نصب عينيه كافة العناصر التي تدور في فلك التشريع محل الإصدار، بل إنه يستبق النظر في كثير من الأحيان عبر استشراف المستقبل ليكون التشريع في نسق تام مع متطلبات المرحلة، مشيرًا إلى أن الاستراتيجية الوطنية رؤية عُمان 2040 أوجبت على المشرّع العُماني أهمية وضرورة تطوير وتحديث التشريعات بما يتواكب مع مرتكزات هذه الرؤية وما تضمنته من أهداف طموحة في كافة المجالات.
مقارنة التشريعات
وفي قراءة مقارنة تفصيلية بين التشريعين السابق والجديد، استعرض الهنائي أبرز المتغيرات والتسهيلات وقسمها على مستويات عدة؛ ففي مجال التأسيس أشار إلى النص الصريح في القانون الجديد على جواز أن يكون المؤسسون من الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين أو كلاهما معًا، مع تحديد الشروط الواجب توفرها في المؤسس، وتنظيم التفتيش على هذه المؤسسات من قِبل موظفي التقسيم الإداري المختص ممن مُنحوا صفة الضبطية القضائية. وفي مجال الإشهار، أوضح الهنائي مفارقة إجرائية مُهمة؛ إذ كان القانون السابق يقتصر على موافقة الوزارة المختصة فقط، في حين نظّم التشريع الجديد هذه المسألة بالنص على أن تتولى الوزارة الإشهار بعد موافقة مجلس الوزراء. أما في مجال إدارة المؤسسات، فقد بيّن أن القانونين نظما عدد أعضاء مجلس الإدارة مع فارق تمثل في أن الحد الأعلى كان 12 عضوًا في القانون السابق وأصبح 11 عضوًا في القانون الجديد، مبرزًا أن من أهم الفروقات الجوهرية المستحدثة هو نص المشرّع صراحة على وجوب وجود نظام داخلي للمؤسسة المدنية، وهو ما لم يتم التطرق إليه في القانون السابق.
وعن مستجدات الحوكمة وتمكين قطاع جمعيات النفع العام، أوضح الهنائي أن المُشرِّع في القانون الجديد، وعلى خلاف القانون السابق، قام بتقسيم المؤسسات المدنية إلى أبواب وفصول تفصيلية بغية تنظيم بعضها بشكل مستقل عن الآخر، مؤكدًا أن القانون أبرز آليات الحوكمة والرقابة المالية والإدارية بشكل صارم من خلال النصوص الخاصة بالنظام المالي، ومجالس الإدارة، والأجهزة، والمزايا، والالتزامات، والمحظورات، وصولًا إلى باب العقوبات. وأضاف أن مساهمة هذا التأطير القانوني الجديد في تفعيل الشراكة تكمن في الخدمات النوعية التي تقدمها تلك الجمعيات لمنتسبي المهنة الواحدة، والامتيازات التي تحددها وزارة التنمية الاجتماعية للجمعيات ذات النفع العام، معربًا عن أمله في أن تنعكس هذه الأدوار على الصالح العام عبر شراكة مجتمعية فاعلة تعزز التكامل بين القطاع العام، والقطاع الخاص، وسائر مؤسسات المجتمع المدني.
ولتحقيق أقصى استفادة من هذا التشريع، طرح الهنائي عدة مقترحات، داعيًا وزارة التنمية الاجتماعية إلى ضرورة القيام بتوعية مجالس إدارة مؤسسات المجتمع المدني بالنصوص القانونية الحاكمة لها، وتقديم التسهيلات اللازمة عبر تبسيط إجراءات التأسيس والإشهار وتذليل كافة المعوقات التي تواجهها دون إغفال تفعيل آليات الرقابة. كما شدد على أهمية تقييم هذه التجربة التشريعية والعملية كاملة خلال سنة من العمل بالقانون، والعمل الجاد على تقويم ما قد تفرزه هذه التجربة من صعوبات، سواء أكانت على مستوى النصوص القانونية الواردة فيه، أم من حيث الكفاءة البشرية التي تدير هذه المؤسسات، أم الموارد المالية التي تعين على تسيير مرافقها المختلفة.
إعادة هيكلة
فيما تطرق الدكتور أحمد الجهوري المحامي والمستشار القانوني إلى القراءة القانونية والإجرائية للمهلة التي نص عليها المرسوم السلطاني لمنح المؤسسات القائمة عامًا واحدًا لتوفيق أوضاعها؛ حيث أشار إلى أن هذه المهلة تفرض التزامًا فوريًا على الجمعيات الأهلية بإعادة هيكلة نظمها الإدارية والمالية لضمان الحوكمة والشفافية الرقمية. وأوضح أن في مقدمة الخطوات الواجب اتخاذها صياغة واعتماد اللوائح الداخلية المنظمة للشؤون المالية والإدارية وموافاة الدائرة المختصة بها خلال هذا العام لتفادي خطر حل مجلس الإدارة، مبينًا أن القانون فرض التزامات رقمية صارمة تشمل نشر النظام الداخلي والحساب الختامي السنوي على الموقع الإلكتروني الرسمي قبل انعقاد الجمعية العمومية بخمسة عشر يومًا على الأقل، بالتوازي مع تعديل مدة مجالس الإدارة لتصبح ثلاثة أعوام قابلة للتجديد لدورة واحدة فقط، وإدراج مهمة إلزامية لتحديث البيانات الشاملة للجمعية ومصادر تمويلها برقم الوزارة خلال الربع الأول من كل عام، في حين يُحظر على الفرق التطوعية ممارسة أي نشاط جماعي دون ترخيص رسمي يمنحها فريقًا واحدًا لكل ولاية، مع إلزامها بفتح حساب مصرفي رسمي لإيداع أموالها بحد أقصى يتراوح بين ثلاثة إلى خمسة حسابات، وحظر جمع التبرعات أو قبول الهبات الخارجية دون موافقة كتابية مُسبقة.

اشتراطات التأسيس
وفي سياق تقييمه لاشتراطات التأسيس الجديدة للأعضاء والمؤسسين، ثمَّن الجهوري هذه الخطوة مبينًا أن المشرّع العُماني أحدث نقلة نوعية عبر الانتقال من فلسفة التقييد العددي إلى فلسفة المرونة والمأسسة؛ حيث سمح بتأسيس الجمعيات من قِبل الأشخاص الطبيعيين أو الأشخاص الاعتباريين كالشركات والمؤسسات المقيدة في السجل التجاري، أو كلاهما معًا، بدلًا من اقتصارها سابقًا على الأفراد بحد أدنى مرتفع يصل إلى 40 فردًا. وركز على أن هذا التحول الجوهري يفتح آفاقًا واسعة لتمكين المسؤولية المجتمعية للقطاع الخاص، وإنشاء مؤسسات مجتمع مدني تتمتع باستدامة وملاءة مالية عالية، مع وضع شروط واضحة للأشخاص الطبيعيين تركز على المواطنة والأهلية وحسن السيرة والسلوك لضمان كفاءة القائمين على هذه المؤسسات.
أما فيما يتعلق بالحزم التشريعي الصارم والرقابة المالية والإدارية، فقد أفاض الجهوري في شرح دلالاته مؤكدًا أن هذا الحزم يساهم بشكل مباشر في صياغة جدار حماية قانوني ورقابي محكم حول أموال وموجودات مؤسسات المجتمع المدني، وذلك عبر آليات مترابطة تبدأ بالقضاء على تعارض المصالح وعزل القرار المالي عن المنفعة الشخصية، حيث حظر القانون تمامًا على أعضاء الجمعية العمومية العمل بأجر في الجمعية أو مشروعاتها، ومنع العضو من التصويت إذا كانت له مصلحة مباشرة، مع جعل تربح أعضاء مجلس الإدارة سببًا موجبًا لحل المجلس فورًا. ونوّه بأن هذه القيود تتكامل مع إضفاء حصانة "الأموال العامة" على كافة ممتلكات الجمعية الثابتة والمنقولة في نطاق تطبيق قانون الجزاء العُماني، مما يعني أن جرائم الاختلاس أو التبديد تُكيف بوصفها جنايات اعتداء على المال العام وتغلظ عقوباتها، بالإضافة إلى الحظر التام للدخول في أي مضاربات مالية أو استثمارات عالية المخاطر.
وتعزيزًا لرقابة التدفقات النقدية وحماية الأصول، استعرض الجهوري الضوابط الجديدة مبينًا أن القانون أرسى نظام الرقابة المزدوجة الذي يفرض التدقيق الخارجي الإلزامي عبر مدقق حسابات معتمد بمجرد تجاوز المعاملات مبلغ 10 آلاف ريال عُماني، مع نشر هذه الحسابات إلكترونيًا لضمان الشفافية المجتمعية وحصر الإيداعات في المصارف المرخصة داخل السلطنة. وزاد على ذلك بأنه تم تحصين الأصول والإعفاءات الجمركية بمنع التصرف في السيارات والمعدات المعفاة ضريبيًا قبل مرور سبع سنوات أو سداد رسومها لمنع الاستغلال التجاري، بالتوازي مع تجفيف منابع التمويل المشبوه وحظر إرسال المساعدات للخارج إلا عبر الهيئة العُمانية للأعمال الخيرية، وتجريم تلقي الأموال الأجنبية أو جمع التبرعات دون ترخيص بعقوبات تصل إلى السجن سنتين والغرامة المالية والمصادرة، مدعومة بصلاحية الوزير في إيقاع جزاءات إدارية فورية تصل إلى ألف ريال عُماني لتقويم التجاوزات قبل تضخمها.
متطلبات دولية
فيما أبدى عبدالعزيز الشافعي، باحث دكتوراه في القانون الخاص، قراءة معمقة حول مدى تلبية التشريعات الحديثة للمتطلبات الوطنية والمواثيق الدولية؛ حيث رأى أن قانون مؤسسات المجتمع المدني الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 64/2026 يظهر توجهًا تشريعيًا متقدمًا يعكس وعيًا وعمقًا من المشرّع العُماني بالتحولات التي شهدها دور هذه المؤسسات محليًا ودوليًا خلال العقود الأخيرة.

وأوضح من خلال موازنة تفصيلية بينه وبين قانون الجمعيات الأهلية السابق (14/2000)، أن المشرّع لم يتجه إلى تبني النماذج الدولية بصورة مجردة، وإنما سعى بذكاء إلى مواءمتها مع البيئة القانونية والاجتماعية العُمانية بما يحقق التوازن المنشود بين متطلبات الانفتاح المؤسسي والحفاظ على الثوابت الوطنية والأمن المجتمعي.
وأضاف الشافعي في تحليله مشيرًا إلى أن أثر الممارسات الدولية الفضلى تجلى في التركيز الصارم على مبادئ الحوكمة والشفافية والمساءلة المالية والإدارية، إدراكًا من المشرّع بأن استقلالية المؤسسات ترتبط طرديًا بالتزامها بمعايير النزاهة وحسن إدارة الموارد. وفي ملف التمويل والعلاقات الخارجية، بيّن الشافعي أن المشرّع انتهج منهجًا وسطًا عادلًا يوازن بين تمكين المؤسسات من بناء شراكات وتوسيع مصادر دعمها، وضمان عدم استغلال هذه القنوات بما قد يؤثر على استقلال القرار الوطني أو يفتح الباب لتدخلات خارجية غير مشروعة، واصفًا نجاح المشرّع بأنه تجسد في صياغة إطار يجمع بين قيم الانفتاح والمشاركة المجتمعية ومقتضيات السيادة وحماية الاستقرار في نموذج فريد للتحديث التشريعي المتدرج.
وسلط الشافعي الضوء على المنظومة الإجرائية الحديثة ودورها في تفكيك البيروقراطية الإدارية التي كانت تمثل الشكوى الأبرز في النظام القانوني السابق لطول وتعقيد إجراءات الإشهار، حيث جزم بأن القانون الجديد انتقل من فلسفة الرقابة الإجرائية المسبقة إلى فلسفة أكثر حداثة تقوم على التيسير التنظيمي المقترن بالحوكمة الذكية.
وركز في هذا السياق على أن النص صراحة على تقديم الطلبات والتعاملات بالوسائل الإلكترونية لا يمثل مجرد تحديث تقني عابر، بل هو توجه تشريعيًا واعيًا نحو إعادة هندسة الإجراءات لتتوافق مع استراتيجية التحول الرقمي الشامل التي تتبناها سلطنة عُمان، مما يسهم في اختصار حلقات المراجعة الورقية، وتقليل التفاوت في التطبيق، ورفع مستوى الشفافية في اتخاذ القرار، وبالتالي تسريع وتيرة التأسيس وتمكين المؤسسات من الانطلاق بكفاءة لخدمة المجتمع، شريطة أن تقترن النصوص بمدد زمنية واضحة للبت في الطلبات وتقليل التدخلات الإدارية غير الضرورية.
وفيما يتعلق باللائحة التنفيذية المرتقب صدورها خلال عام، بيّن الشافعي أهميتها باعتبارها الحلقة الأهم في استكمال البناء التشريعي، مبينًا أن القوانين الحديثة تكتفي بوضع المبادئ العامة وتترك التفاصيل المرنة للوائح. وأشار الشافعي إلى أن الوسط القانوني والمجتمعي يترقب بدقة بضعة ملفات جوهرية ستحددها اللائحة، وفي مقدمتها متطلبات التأسيس والمستندات اللازمة، ومدد البت، وآليات التظلم، فضلًا عن الضوابط المنظمة لاستخدام المنصات الإلكترونية في عقد الاجتماعات والتصويت والانتخابات، إلى جانب الملف البالغ الأهمية والمتعلق بتنظيم الموارد المالية وآليات التبرعات والهبات والرعايات المحلية الدولية، مع قواعد الحوكمة الداخلية وتفاصيل التدابير الإدارية التي تتخذ بحق المؤسسة عند وقوع المخالفات لتقليل مجال التباين في التفسير.
وقدم الشافعي توصيات ومحددات رئيسية يرى وجوب ارتكاز اللائحة التنفيذية عليها لضمان نجاحها؛ حيث شدد أولًا على ضرورة ترجمة فلسفة القانون القائمة على التيسير والتمكين إلى إجراءات عملية محددة زمنيًا كي لا تعيد إنتاج التعقيدات القديمة، ودعا إلى الالتزام التام بمبدأ اليقين القانوني عبر صياغة دقيقة للحقوق والالتزامات تقلل من الاجتهادات المتباينة، بينما أكّد على أهمية الحفاظ على التوازن الدقيق بين استقلالية مؤسسات المجتمع المدني ومتطلبات الرقابة والشفافية والمساءلة، لتكون الرقابة في النهاية أداة لضمان حسن الإدارة وعامل دفع للمبادرات المجتمعية لا عائقًا أمامها، مما يجعل اللائحة الوثيقة الفصل في إنجاح التحول نحو منظومة حديثة تقوم على الحوكمة والكفاءة والشراكة الوطنية الرشيدة.
