يارا الحايك **
تمرّ على القارئ بين الحين والآخر نصوص شعرية لا تكتفي بإثارة الإعجاب بجمالها الفني، بل تفرض عليه التوقف والتأمل وإعادة النظر في كثير من المسلّمات التي تحكم رؤيته للحياة والإنسان. ومن هذه النصوص الخالدة قصيدة "مدرسة الحياة" للشاعر اليمني الكبير عبدالله البردوني رحمه الله، ذلك المبدع الاستثنائي الذي لم تحل إعاقته البصرية دون اتساع رؤيته الفكرية والإنسانية، بل زادته قدرة على النفاذ إلى أعماق الأشياء واستنطاق المعاني الكامنة خلف الظواهر.
فقد كان البردوني، وهو كريم العينين، من أولئك الذين عوّضوا فقدان البصر ببصيرة نافذة ورؤية معرفية وإنسانية رحبة، فاستطاع أن يرى بعين العقل والوجدان ما عجز كثيرون عن رؤيته بأبصارهم. وقد مرّت بي هذه القصيدة فاستوقفتني طويلًا، وجعلتني أسبر أغوارها وأتتبع طبقاتها الدلالية لأقرأ ما تختزنه من رسائل فكرية وفلسفية، وما تنطوي عليه من أبعاد تربوية وتهذيبية تخاطب عمق الإنسان في جوهره لا في مظهره. وتجلى لي من خلالها البردوني وهو يخاطب الإنسان خطابًا إنسانيًا خالصًا، متجاوزًا حدود الجغرافيا والزمن، ليضع يده على القضايا الكبرى التي رافقت الإنسان منذ بدء الخليقة: المعرفة، والوعي، والحقيقة، والصراع مع الذات، والسعي نحو الكمال الأخلاقي. فالإنسانية كانت وما زالت مرتبة سامية لا يرتقي إليها كل البشر، بل هي ثمرة وعيٍ متراكم، وتربية مستمرة، وانتصار دائم للقيم على الغرائز، وللحكمة على الوهم.
ومنذ المطلع يضعنا الشاعر أمام إشكالية إنسانية عميقة تتعلق بطبيعة الرغبة البشرية التي لا تعرف الاكتفاء، فيقول:
"ماذا يريد المرء ما يشقيه
يحسو رَوى الدنيا ولا يرويه"
في هذين البيتين تختزل معضلة الإنسان الوجودية؛ فمهما نال من متع الدنيا ومباهجها ظل يبحث عن المزيد، وكأن داخله فراغ لا يملؤه شيء من متاع الحياة. هنا لا يتحدث البردوني عن الحرمان المادي بقدر ما يتحدث عن الجوع الروحي الذي يلازم الإنسان حين يفتقد المعنى. فالإنسان قد يمتلك الكثير، لكنه يبقى عطشًا إذا لم يدرك حقيقة نفسه وحدود حاجاته وقيمة ما بين يديه. وهذه الرؤية تفتح بابًا واسعًا للتأمل الفلسفي في طبيعة السعادة، وهل هي نتاج الامتلاك أم ثمرة الرضا والوعي.
ويمضي الشاعر في تشريح النفس الإنسانية بدقة المراقب الحكيم، ليصل إلى واحدة من أكثر الحقائق عمقًا في القصيدة حين يقول:
"والمرء لا تُشقيه إلا نفسُهُ
حاشى الحياةَ بأنّها تُشقيهِ"
إنها حكمة تختصر مسافات طويلة من التجارب الإنسانية. فالناس كثيرًا ما يحمّلون الحياة مسؤولية آلامهم، ويعلّقون إخفاقاتهم على الظروف أو الآخرين أو قسوة الزمن، بينما يلفت البردوني النظر إلى أن جذور الشقاء تنبع غالبًا من داخل الإنسان نفسه؛ من نظرته للأشياء، ومن أوهامه، ومن استسلامه لمخاوفه وصراعاته الداخلية. وهنا تتجلى قيمة الوعي الذاتي بوصفه شرطًا أساسيًا للنضج الإنساني. فكل إصلاح حقيقي يبدأ من الداخل، وكل نهضة إنسانية لا بد أن تسبقها مصالحة صادقة مع الذات.
ويزداد العمق الفكري للقصيدة حين يكشف الشاعر عن ميل الإنسان إلى البحث عن خصومه خارج ذاته، فيقول:
"ويظنُّ أنَّ عدوَّهُ في غيرِهِ
وعدوُّهُ يُمسي ويُضحي فيهِ"
إنه نقد إنساني بالغ الدقة؛ فالإنسان كثيرًا ما يخوض معارك طويلة مع الآخرين بينما يهمل معركته الحقيقية مع الجهل والأنانية والتعصب والأوهام الكامنة في داخله. ومن هنا تبدو القصيدة دعوة مفتوحة إلى المراجعة الذاتية وإلى ممارسة النقد الداخلي بدل الانشغال بإدانة العالم. وهذه الفكرة تحمل بعدًا تربويًا مهمًا، لأنها تؤسس لمسؤولية الفرد عن خياراته وسلوكه ومواقفه، وتحرره من عقلية الاتهام المستمر للآخرين.
ولا يقف البردوني عند حدود التشخيص، بل ينتقل إلى الكشف عن تناقضات النفس البشرية وتقلباتها، فيصور الإنسان وهو يسعى نحو ما يظنه مصدرًا للسعادة، ثم يكتشف لاحقًا أنه كان بابًا للخذلان، ويهرب من أمر يظنه شقاءً ليجد فيه خيرًا لم يكن يتوقعه. لذلك يقول:
"ولكم يُسيءُ المرءُ ما قد سرَّهُ
قبلًا ويُضحِكُهُ الذي يُبكيهِ"
في هذه المفارقة تكمن حكمة الحياة الكبرى؛ فالأحكام المتسرعة كثيرًا ما تخدع الإنسان، والحقائق لا تتكشف دفعة واحدة. لذلك فإن النضج الفكري يقتضي التريث والتأمل وعدم الارتهان للحظة الآنية في تقييم الأشياء. وهذا ما يجعل القصيدة نصًا تربويًا بامتياز، لأنها تدعو إلى بناء عقل متزن قادر على النظر إلى الحياة بمنظور أوسع وأعمق.
ويبلغ الشاعر ذروة الإعجاب بالحياة حين يعلن:
"ما أبلغَ الدنيا وأبلغَ درسَها
وأجلَّها وأجلَّ ما تُلقيهِ"
فالحياة في نظره ليست عبئًا وجوديًا كما يتصور البعض، وليست مجرد مسرح للأحداث العابرة، بل هي معلم عظيم تتجدد دروسه في كل يوم. إنها كتاب مفتوح لا تنفد صفحاته، ومدرسة كبرى يتعلم فيها الإنسان من الألم كما يتعلم من الفرح، ومن النجاح كما يتعلم من الفشل، ومن اللقاء كما يتعلم من الفراق. ومن هنا جاء عنوان القصيدة معبرًا عن جوهر رؤيتها؛ فالحياة مدرسة فعلًا، لكنها مدرسة لا تمنح دروسها في قاعات مغلقة، بل في ميادين التجربة والاختبار والتحدي.
ومن أعمق الرسائل التربوية التي تحملها القصيدة تأكيدها أن الإنسانية ليست مظهرًا خارجيًا ولا صفة تُكتسب بالولادة وحدها، بل هي مشروع أخلاقي مستمر. ولذلك يقول الشاعر:
"بعضُ النفوسِ من الأنامِ بهائمٌ
لبست جلودَ الناسِ للتمويهِ"
لا يقصد البردوني هنا الإساءة إلى أحد، بقدر ما يوجه إنذارًا أخلاقيًا ضد فقدان الإنسان لجوهره الإنساني. فكم من أشخاص يحملون صورة الإنسان ولكنهم يفتقدون الرحمة أو الحكمة أو الضمير أو الشعور بالمسؤولية. ولهذا يؤكد أن القيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بمظهره أو مكانته، وإنما بما يحمله من قيم وما يقدمه من خير وما يحققه من ارتقاء أخلاقي وفكري.
وتكتسب القصيدة بعدًا تربويًا أعمق حين يخاطب الشاعر الإنسان مباشرة داعيًا إياه إلى التحرر من أسر الوهم والبحث عن المعنى الحقيقي للوجود:
"قُمْ يا صريعَ الوهمِ واسألْ بالنُّهى
ما قيمةُ الإنسانِ ما يُعليهِ"
إنه سؤال مركزي في الفكر الإنساني كله: ما الذي يرفع قيمة الإنسان؟ هل هي السلطة؟ أم المال؟ أم الشهرة؟ أم المعرفة؟ أم الأخلاق؟ ويترك البردوني للقارئ مساحة واسعة للتفكير، لكنه يقوده ضمنيًا إلى قناعة مفادها أن الإنسان يسمو بوعيه وأخلاقه وقدرته على الانتصار على نوازعه السلبية. فالقيمة الحقيقية لا تُمنح من الخارج، بل تُبنى من الداخل.
وفي هذا السياق تبرز رؤية البردوني للحياة بوصفها المربي الأكبر والمعلم الأصدق، إذ يقول:
"واسمعْ تُحدِّثْكَ الحياةُ فإنَّها
أستاذةُ التأديبِ والتفقيهِ"
إنها صورة بديعة تجعل من الحياة كائنًا حيًا قادرًا على التعليم والإرشاد. فكل موقف يمر به الإنسان يحمل رسالة، وكل تجربة تحمل معنى، وكل عثرة قد تكون بداية لاكتشاف جديد. ومن هنا فإن التربية الحقيقية ليست مجرد معلومات تُلقّن، بل خبرة تُعاش، وحكمة تُستخلص، وبصيرة تتكون عبر الاحتكاك المباشر بالحياة.
ويصل الشاعر إلى قمة التأمل حين يقول:
"سلْها وإن صمتتْ فصمتُ جلالِها
أجلى من التصريحِ والتنويهِ"
فليس كل ما يُفهم يحتاج إلى كلام، وليس كل درس يُلقى عبر العبارات. أحيانًا يكون الصمت أكثر بلاغة من الكلام، وتكون التجربة أصدق من الشرح، ويكون التأمل أعمق من الخطابة. وهنا تتجلى الروح الفلسفية للقصيدة في أبهى صورها، حيث تتحول الحياة إلى مصدر للحكمة الصامتة التي لا يدركها إلا من امتلك القدرة على الإصغاء العميق.
إن قصيدة "مدرسة الحياة" ليست قصيدة عابرة في سجل الشعر العربي، بل نص إنساني وفكري وتربوي متكامل، استطاع عبدالله البردوني من خلاله أن يقدم خلاصة تجربة إنسانية ثرية وأن يحوّل الشعر إلى مساحة للتفكير والتأمل وإعادة اكتشاف الذات. وقد جاءت أبياتها مفعمة بالحكمة دون تكلف، وعميقة دون غموض، وقريبة من النفس لأنها تنطلق من أسئلة يعيشها كل إنسان في مراحل مختلفة من حياته.
وهكذا تبقى هذه القصيدة شاهدًا على عبقرية البردوني الشعرية والفكرية، وعلى قدرته الفذة في النفاذ إلى جوهر الإنسان وكشف تناقضاته وهواجسه وتطلعاته. إنها دعوة إلى أن نتعلم من الحياة بدل أن نتذمر منها، وأن نصغي إلى دروسها بدل أن نهرب منها، وأن نبحث عن أسباب تعاستنا وسعادتنا في أعماقنا قبل أن نفتش عنها في العالم من حولنا. وفي هذا الأفق الإنساني الرحب تتألق قصيدة "مدرسة الحياة" بوصفها رسالة خالدة في الحكمة والوعي والارتقاء، وتبقى شهادة أدبية وفكرية على أن الإنسان كلما ازداد معرفة بنفسه ازداد قربًا من إنسانيته، أحسن الإصغاء إلى مدرسة الحياة، وأدرك أن أعظم الدروس هي تلك التي تُكتب في القلب قبل أن تُكتب في الكتب.
** كاتبة سورية
