فول وقصب (18)

 

 

 

 

مُزنة المسافر

حين فُتحت الشبابيك، شباك بعد شباك، ظهرت الوجوه والعيون، العيون التي ترغب أن تشعر بالغزل وتلك الأفواه التي تقول بالنميمة وقطع الوصل، ومن مذياع بسيط صدحت حورية حسن وغنت للجميع على الشرفات الصغيرة.

من حبي فيك يا جاري، يا جاري من زمان، بخبي الشوق وأداري ليعرفوا الجيران. 

وحياة حبك ما شبكنا، غير شباكوا وشباكنا...

صعد مجدي المصعد الكهربائي الذي تحرك ببطء نحو فوق، وهو يحمل نسخة لمجلة الكواكب، يخرج من الأسانسير، يدخل مكتبه، دون أن يتطرق إن كان هذا الصباح هو صباح خير أم هو صباح نور، لسريعًا يقول لشوكت سكرتيرة مكتبه.

مجدي: بصيتي ع الكواكب، تصوّري يا شوكت، دلال في صورة الغلاف.

شوكت: آه، أنا بعتلهم الخبر وطبعًا اتنشر.

مجدي: تعرفي يا شوكت، لازم نرفع مُرتب دلال، ويبقى اسمها الفني دلال لطفي.

كنادية لطفي مثلًا؟

أصدرت الآلة الطابعة صوتًا عميقًا جعل من شوكت تنطلق في كتابة عقد دلال مرسي أمين، ووضعت بين قوسين المعروفة بالاسم الفني: دلال لطفي، وأن العقد يقر بأن يكون بين الطرفين عقدًا ليس فيه إخلال أو إنهاء إلا بطلب من الطرف الأول مجدي سعيد مراد.

وهنا تذكر مجدي وهو يجلس أمام طاولة مكتبه شكل دلولة الدمية، تذكر شعورها نحو الدنيا، إنها تراها بشغف، تراقبها بحذر، تهابها في أمل أن تعيش كريمة، وأن تكون أيامها بالحب مليئة.

الأراجوز يحاول كتابة الإبداع، هل يضع هنا أفكارًا وهمية؟، وأمورًا للجمهور قد صارت بالكاد منسية، هل يريد أن يصنع العبثية؟

كتب الأراجوز مسرحية جديدة بعنوان: جمبري وإستاكوزا، وطلب من حسن الشطور أن يتنكر في لبس الربيان الذي يود أن يهرب من مطعم فاره ويعاونه شكشك الذي يلعب دور الكركند.

شكشك: فاهم يا جمبري، لما تطلع من التلاجه، أوام تنط لعربة الأكل!

حسن الشطور: وفرضًا ما نجحتش يا إستاكوزا، حيحصل إيه؟

شكشك: حيكلك العدو! 

حسن الشطور: يا ساتر!

شكشك: الدنيا يا جمبري، كلها مخاطر.

بينما في الطابق الخامس، جرس الشقة لا يعمل.

يطرق أحدهم الباب بقوة، خشيت شربات أن يكسره هذا الضيف الثقيل الدم، خلف الباب يقف حموقَّه المطبلاتي، وهو أصلع، طويل وهزيل، تفتح له شربات بسرعة، إنها تعرفه جيدًا.

شربات: راجع ليه يا حموقه؟، عايز تطلقني؟

حموقَّه المطبلاتي: أطلقك؟!، إحنا ماتجوزناش أصلًا يا خايبة!

ده كان تمسيل وأداء جبار مني، فاكرة؟

شربات: آه صحيح، افتكرت!، أمال جاي ليه؟

حموقَّه: فين الي اسمها دلال لطفي؟ عايزها توصلني للراجل الخطير مجدي بيه.

حموقَّه دمية اعتادت خلق المشاكل، إنه يعاقب طبلته بالضرب المستمر ويؤنس نفسه بغنوة شعبية أو أهزوجة منسية، يعاني الآن أن الزبائن يشعرون أنه مطبلاتي غير صادق في تعامله مع الطبلة، إنه يعاملها بكل قسوة.

يحلم حموقَّه بأن يقابل أحدهم، ربما نجم كبير أو منتج شهير أو حتى فنان قدير، كان يتمنى أن يعيش لحظات الشهرة في الماسبيرو مع سمير صبري أو أن يكون في مسرحية مع سهير البابلي، إنه مشاغب كبير لم يدخل أي مدرسة، وعيل لم يكبر بعد.

إن حياته كالمروحة، وإلى ماذا هي ملوحة؟، هل تلوح للسائرين إلى السهر؟، هل صار حموقَّه مؤمنًا بالبشر؟ من يعلم؟ من يدري؟!

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z