عاطف بن محمد الزدجالي **
في عالم تتبدّل فيه موازين القوى بسرعة، لم تعد العلاقات بين الدول تُبنى فقط في المؤتمرات الدبلوماسية أو عبر المبعوثين الرسميين، ولم تعد السفارات وحدها تمثل هوية الدول في الخارج؛ بل غدت التشريعات والقوانين بمثابة السفراء الصامتين للدولة، وجاذبيتها، وقدرتها على استقطاب الاستثمار؛ حيث أصبحت تُصاغ اليوم في شكل أكثر عمقًا واستدامة.
والقانون لم يعد مجرد إطار تنظيمي داخلي، بل تحول إلى رسالة سياسية واقتصادية تُقرأ في الخارج قبل الداخل، كما لم تعد الثروة النفطية ولا الموقع الجغرافي وحدهما يكتبان مصائر الأمم -ثمة عملة جديدة تتنافس عليها الدول في صمت بعيدًا عن أضواء القمم والمؤتمرات- إنها جودة القانون؛ إذ انضمت إلى ملف الدبلوماسية الدولية جهة جديدة لا تحمل جواز سفر ولا تطلب اعتمادًا بروتوكوليًا، إنها التشريعات؛ فالدول التي تمتلك منظومات قانونية مرنة وشفافة باتت أشد جذبًا للاستثمار من تلك التي تزخر بالموارد الطبيعية لكنها تفتقر إلى استقرار قانوني يُطمئن المخاطِر قبل أن يطمئن المستثمر؛ فمسبقًا كان رأس المال الدولي يسير وفق خريطة بسيطة، وهي الموارد الطبيعية والموقع الجغرافي والعلاقات الثنائية، أما اليوم فقد دخل متغير جديد يكسر هذه المعادلة بصورة شبه كاملة، وهو المناخ التشريعي.
اليوم لم تعد الشركات العابرة للقارات تتساءل: أين الثروة؟ فحسب، بل باتت تسأل بصوت أعلى: ما الذي يحميني كمستثمر إن اختلفنا؟ وفي هذا السؤال وحده تكمن ثورة كاملة في منطق العلاقات الاقتصادية بين الأمم.
من هنا.. تتجلى الوظيفة الدبلوماسية الجديدة للتشريع؛ فكل قانون تُصدره دولة يحمل في طياته رسالة ضمنية إلى العالم الخارجي: هل هي دولة تحترم العقود؟ هل تصون حق الملكية الفكرية؟ هل تُتيح تقاضيًا دوليًا محايدًا؟ هل لدى الدولة استحداث دائم في سن القوانين الاستثمارية المواكبة للتغيرات الاقتصادية؟ هل قوانين الدولة تتناسب مع مصالح المستثمرين؟ تلك الأسئلة تُجيب عنها المجالات التشريعية والقوانين التنفيذية. حين تُسهّل دولة إجراءات التحكيم التجاري، أو تُعزز استقلالية قضائها، أو تُحدّث قوانين الإفلاس لتحمي المستثمر لا لتُعاقبه؛ فهي لا تُعدّل نصوصًا قانونية فحسب، بل تُعيد كتابة موقعها على الخريطة الاقتصادية العالمية، وقد شهدت السنوات الأخيرة ظاهرة لافتة تُثبت هذه المعادلة بما لا يدع مجالًا للشك، وهي دول بموارد طبيعية شحيحة تتصدر مؤشرات الجذب الاستثماري العالمي، فيما تعاني دول غنية بثرواتها من هروب رأس المال، وتراجع ثقة الأسواق. وإذا أردنا مثالًا واضحًا، فإن سنغافورة تمثل نموذجًا بارزًا باعتبارها لا تمتلك نهرًا واحدًا، ومع ذلك تتصدر مؤشرات التنافسية العالمية عقودًا متتالية، وهولندا ليست أغنى دول العالم بمواردها، لكن أمستردام أضحت وجهة لا تتردد الشركات متعددة الجنسيات في اتخاذها مقرًا إقليميًا، ونيوزيلندا تجذب رؤوس الأموال من محيط جغرافي يكاد يكون معزولًا عن مراكز العالم، لا بسبب موقعها، بل بسبب شفافية منظومتها القانونية وسهولة التعامل معها. السر المشترك بين هذه الدول الثلاث لا يكمن فيما تحت أرضها، بل فيما فوق طاولات مجالسها التشريعية.
والمستثمر الدولي، سواء أكان صندوقًا سياديًا أم شركة ناشئة، يُجري في ذهنه حسابًا دقيقًا قبل كل قرار، وهو: ما احتمالية أن ينتهي نزاع تجاري بحل عادل وسريع؟ وما مدى استقرار بيئة الأعمال التشريعية على أفق عشر سنوات من الاستثمار؟ هذه الأسئلة هي التي تحدد وجهة رأس المال في نهاية المطاف، لا الإعلانات الحكومية ولا الحوافز الآنية. يكفي أن يتعرض مستثمر واحد لتغيير مفاجئ في قواعد اللعبة، أو لعقد لم يُحترم، أو لنزاع انتهى بلا عدالة، حتى تصل القصة إلى آذان مئة مستثمر آخر لم يصلوا بعد؛ فالسمعة القانونية للدول تُبنى ببطء وتتهاوى بسرعة مذهلة، وهذه ربما أشد حقائق اقتصاد العولمة قسوةً.
وثمة ثلاثة محاور تتقاطع لتصنع هذه الصورة الكاملة؛ أولها الشفافية التشريعية، أي أن تكون القوانين واضحة ومتاحة وقابلة للتنبؤ، وثانيها الإنصاف في التطبيق، بمعنى ألّا يتفاوت تطبيق القانون بحسب هوية الأطراف أو نفوذهم، وثالثها المرونة في الاستجابة، أي قدرة المنظومة التشريعية على التطور مع متغيرات الاقتصاد الرقمي والتحولات الجيوسياسية دون الوقوع في فخ الارتجال. أي دولة تُحكم قبضتها على هذه المحاور الثلاثة تمتلك ما هو أقوى من أسطول عسكري أو ثروة نفطية؛ فهي تمتلك ثقة الأسواق الاستثمارية، وهي العملة الأصعب اكتسابًا والأعسر استبدالًا.
وحين تتراجع هذه الصورة، لا يُعيدها خطاب وزاري ولا مؤتمر استثماري مُصطنع؛ لا يُعيدها إلا تشريع وتطبيق صادق؛ فكل تعديل تشريعي هو في حقيقته قرار سياسي واقتصادي في آنٍ واحد. حين تُبسّط دولة إجراءات تأسيس الشركات، فهي ترفع رسالة إلى رواد الأعمال في كل مكان. وحين تُطوّر أنظمة التحكيم التجاري وتجعلها منافسة لمراكز التحكيم الدولية، فهي تُعلن أنها تستحق أن تكون طرفًا في الصفقات الكبرى.
هنا نلاحظ بأن الدبلوماسية التقليدية لن تختفي بطبيعة الحال؛ فالعلاقات الثنائية والمعاهدات الدولية والحضور السياسي لا تزال تؤدي دورًا محوريًا في صياغة المشهد الدولي، لكن المشهد بات مزدحمًا بلاعب جديد لا يُدرك كثيرون ثقله الفعلي؛ لاعب يتحدث بلغة المواد والبنود والقوانين والتشريعات، ويترك أثرًا يُقاس بالأرقام والمؤشرات والتدفقات الاستثمارية والسمعة الدولية المتراكمة عبر السنين. إنها دبلوماسية هادئة لا تعقد مؤتمرات صحفية ولا تُصدر بيانات مشتركة، لكنها تصنع السمعة الاقتصادية للدول يومًا بيوم، نصًا بنص، وتعديلًا بتعديل.
ولا ينبغي أن تقتصر جودة البيئة التشريعية على استقرار القوانين فحسب، بل يجب أن تمتد إلى قدرتها على مواكبة المتغيرات الاقتصادية والتقنية العالمية، والتكيف مع مستجدات الاستثمار الدولي؛ فالتشريعات الفاعلة هي التي تتطور بما ينسجم مع أفضل الممارسات الدولية ويستجيب لمتطلبات المستثمرين، بما يعزز تنافسية الدولة وجاذبيتها الاستثمارية. وفي ظل التحولات المتسارعة في الاقتصاد الرقمي والاستثمار العابر للحدود، أصبحت مرونة التشريع وسرعة تحديثه من أهم عوامل بناء الثقة واستقطاب رؤوس الأموال.
لذلك.. فإن الدول الأكثر قدرة على المنافسة ليست تلك التي تكتفي بإدارة واقعها التشريعي، بل التي تصوغ تشريعاتها بعقلية المخطط الاستراتيجي المستشرف للمتغيرات العالمية الآنية، والمواكب للتطور المستمر في قوانين الاستثمار الدولية، لا بعقلية إدارية تقليدية تكتفي بإدارة الواقع بدلًا من صناعة المستقبل. ولمن يرى في كل قانون جديد رسالةً تُرسَل إلى العالم قبل أن تُطبَّق في الداخل، إنه القانون، ذلك الصوت الصامت الذي يتحدث عن الدول.
ولو خُيّر مستثمر دولي اليوم بين بلدين، أحدهما يمتلك في باطن أرضه نفطًا وذهبًا، والآخر لا يمتلك سوى قوانين واضحة وقضاء مستقل وعقد يُحترم، فإن كثيرًا من رجال الأعمال سيختارون البلد الثاني دون تردد، ليس لأن الثروة لم تعد مهمة، بل لأن الأمان الاستثماري والثقة أصبحا أثمن منها، وفي غياب الثروة تصبح الثقة هي الثروة، وفي حضورهما معًا تتضاعف قيمة كل منهما.
** باحث دكتوراه في العلوم القانونية والاقتصادية، الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية
