د. محمد بن عوض المشيخي **
تعتمد الكثير من دول العالم على السياحة كواحد من أهم الموارد المالية والركائز الاقتصادية؛ بل أصبح البعد الثقافي واجهة مهمة للترويج للقوة الناعمة للمجتمع من خلال الترويج للتراث والتاريخ للزوار المتلهفين لمعرفة المزيد عن الرصيد الفكري والاجتماعي للوطن المستهدف من الزيارة.
من هنا لا يمكن الارتقاء بهذا القطاع الواعد إلا بالتخطيط السليم والتنفيذ الدقيق والأمين للمقومات السياحية للجغرافيا والاستثمار الجيد لكنوز الوطن وتسويقها بأسلوب محترف للآخرين، والعمل على بناء منظومة أساسية يعتمد عليها كالمطارات وشبكات الطرق والخدمات اللوجستية، والمرافق الترفيهية والإيواء السياحي بمختلف أنواعه، وقبل ذلك كله إيجاد كفاءات وطنية تثري هذا المجال وتتمتع بالمهارات والخبرة بتاريخ البلد وتفاصيل المناطق السياحية والقدرة على الترويج للسلطنة في المحافل الدولية بحيث تتحول إلى واجهة سياحية منافسة لجميع الدول.
فالأجواء الباردة والجاذية من حَرِّ الصيف في المناطق ذات الطبيعة الصحراوية أصبحت ممكنة الآن في ربوع ظفار؛ فأيام قليلة تفصلنا عن فصل الخريف الذي يبدأ 21 يونيو من كل عام ولمدة 3 أشهر في فترة ترتفع فيه درجات الحرارة في العواصم الخليجية؛ بما فيها مسقط إلى أرقام قياسية تتجاوز في بعض الأحيان 50 درجة مئوية كما، هو الحال الأسبوع الماضي في ولاية محوت في محافظة الوسطى التي سجلت 50 درجة مئوية. وتشير المعلومات المتوقعة خلال هذا الموسم إلى صيف ساخن وحار في دول الخليج العربية. كما أن أجواء الحرب التي تلقي بظلالها على ضفاف الخليج العربي، مرشحة أن تجعل من ظفار المكان الآمن والمثالي للأسرة الخليجية لقضاء الإجازة الصيفية في أحضان الطبيعة البكر وزخات المطر والرذاذ المتساقط في المناطق الساحلية والمرتفعات الجبلية التي تمتد من صرفيت غربًا إلى سمحان شرقًا بطول 350 كيلومترًا؛ حيث الأودية والشلالات التي تتساقط من أعالي الجبال نحو البحر مشكلة بذلك لوحة بهية وجميلة تسر الناظرين.
وبالفعل بدأت تباشير الخريف هذا العام مبكرا؛ إذ بدأت بالفعل الأمطار في ولاية ضلكوت، بينما يتساقط الرذاذ الخفيف على المرتفعات الجبلية المجاورة لمدينة صلالة؛ إذ بدأت اليوم الأمطار تهطل على الجزء الشرقي من المحافظة مسجلة بذلك انخفاضا في درجات الحرارة إلى 24 درجة.
وهكذا يعد موسم الخريف في ظفار واحدًا من أهم الوجهات السياحية الخليجية والمحلية الواعدة التي تتميز بقربها الجغرافي للسياح في دول مجلس التعاون الخليجي، بالمقارنة بالوجهات السياحية الأخرى البعيدة وما فيها من مخاطر صحية، وتكاليف مالية إضافية؛ مثل دول شرق آسيا وجمهوريات آسيا الوسطى وأوروبا.
ولعل الأمن والاستقرار وكرم الضيافة العُمانية الأصيلة والأسعار التنافسية في السكن، من أبرز القيم المُضافة لزوار المحافظة، في هذا الجزء الغالي من سلطنتنا الحبيبة عُمان؛ فالطقس البارد والممطر الذي تتميز بها هذه المنطقة عن غيرها من المناطق في شبه الجزيرة العربية استثنائية؛ كُل ذلك جعل من ظفار تستقطب العام الماضي في "موسم 2025" أكثر من مليون وسبعين ألف سائح خلال ثلاثة أشهر؛ إذ يشكل الزوار من خارج السلطنة أقل من ربع مليون سائح فقط؛ بينما بلغ إجمالي زوار السلطنة اقل من 4 ملايين زائر في بلد سياحي بامتياز. وعُمان في مقدمة دول العالم من حيث المقومات السياحية الفريدة؛ حيث القلاح والحصون والافلاج والرمال الذهبية التي تمتد المساحات كبيرة في صحاري عُمان وخاصة رمال الشرقية، بينما تقع ظفار التي تلقب بسويسرا الشرق بلا منازع حيث تعانق الجبال والاودية الخضراء الشواطئ وأمواج البحر الهادر؛ وعلى الرغم من تلك المزايا التي خص الله بها عُمان عن غيرها من البلدان؛ نجد عند المقارنة بيننا والدول الخليجية المجاورة؛ مثل مملكة البحرين قد سجلت 15 مليون سائح في 2025، بينما زار دولة الكويت 8 ملايين ونصف المليون سائح العام في نفس الفترة؛ وهناك بالطبع دول خليجية ذات شهرة عالمية وصل عدد زوارها إلى عشرات الملايين.
وعليه.. الآمال معقودة هذه السنة أن يتزامن قدوم الزوار مع بداية أول قطرة من الخريف وذلك لكي يتضاعف الرقم والوصول به إلى مليوني سائح في نهاية الموسم، وهذا يعود بالدرجة الأولى إلى استراتيجية بلدية ظفار التي تشرف على مختلف الفعاليات والمهرجانات التي تقام في مختلف ولايات محافظة ظفار ومدى نجاحها في كسر الجمود الذي وقف عند سقف المليون زائر فقط خلال ثلاث سنوات الماضية؛ فلا شك بان جهود هذا الجهاز الخدمي مقدرة وواضحة المعالم؛ إذ تعمل بجهود مضاعفة طوال العام كجهة إشرافية لإنجاح موسوم الخريف وإنجاز المشاريع الحيوية التي تساعد على انسيابية الحركة وتقليل الاختناقات المرورية؛ كالتوسع في ازدواجية الطرق والنواحي الجمالية كالإطلالات وتطوير الواجهات البحرية، كما إنها على وشك إنجاز إطلالة شعت التي تعد افضل مكان سياحي في المحافظة حيث إطلالتها على البحر العربي في ولاية رخيوت، وكذلك العمل جارٍ لتطوير الواجهة البحرية لمدينة عوقد، كما إن هناك جهودًا حثيثة لإنجاز الاعمال في أفتلقوت وديم، كما تم إنجاز الجزء الأكبر من ازدواجية شارع السلطان قابوس، ولعل الأهم من ذلك كله هو مشروع "سهول الرذاذ"؛ فقد تم طرح المناقصة وجارٍ دراسة عروض الشركات المتقدمة لتنفيذ هذا المشروع الكبير الذي من المتوقع أن يشكل إضافة مميزة للمرافق السياحية في ظفار لكونه يقع في المروج مقر المهرجان القديم.
وفي الختام.. إذا كان يراد للسياحة أن تنهض وتلحق بركب الناجحون في هذا القطاع الهام؛ فعلينا أن يتمحور تركيزنا على النقاط الاتية:
أولًا: اشهار مطار صلالة كمحطة دولية وتزويده بالمرافق الضرورية كورشة لصيانة الطائرات ومبنى للتموين لتزويد الطائرات العابرة بوجبات الطعام.
ثانيًا: الترويج من خلال مضاعفة الإعلانات عبر القنوات الفضائية وزيادة المشاركة في المعارض الدولية والاستعانة بالمشاهير من خارج السلطنة لإبراز المشاهد والمناظر المبهرة للطبيعة في ظفار عبر المنصات الرقمية، وذلك بشكل مبكر قبل أن يحدد الجمهور المستهدف وجهاتهم والتي يبدأ التخطيط لها قبل 6 أشهر على الأقل من بداية موسم الحريف.
ثالثًا: تأخير الدراسة في المدارس والجامعات إلى منتصف شهر سبتمبر من كل عام؛ لكي نخرج من عنق الزجاجة المتمثل في حصر الخريف في 3 أسابيع فقط بدلًا من الفصل الذي يمتد إلى أكتوبر.
** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري
