الشاعر صالح الطائي يتغنّى بولاية بوشر زمنَ السلطان سعيد بن تيمور

 

 

 

تحقيق: ناصر أبوعون

ولاية (بوشر) المنسوبة اسمَا وموطنًا إلى "عبدالله (أبوبِشْرٍ) الطائيّ العُمانيّ" من المواطن العُمانيّة التي ما زالت تعجّ بالعديد من الشواهد التاريخية، والآثار العمرانية؛ ومن يدرس المنتوج الإبداعي وخاصة الشعريّ لعائلة الطائيين من الإخوة وأبناء العمومة والأحفاد وما خلّفته من تراثٍ أدبيّ يجد (بوشر) حاضرة في كل زاوية من سيرهم الذاتية، ومنتصبة كسارية فَخَار في كل مخطوط تاريخيّ، وعلامة مضيئة، خاصةً في مسيرة أبناء وأحفاد قاضي قُضاة مسقط الشيخ العلّامة عيسى بن صالح الطائي (حمود، وهاشم، وصالح من عقيلته خديجة [الكندية]، وحمد، ورُقية من قرينته [ثريا الطائية])، وذراريهم.

"بوشر" ذاكرة المكان ومسيرة الزمان

ولم تكن ذاكرة ولاية (بوشر) خُلوًا من المعالم الآثارية التي أسرت الشاعر صالح الطائي من ذاكرة التاريخ المجيد لسلطنة عُمان، وتزرعه فسائل عشق في ثرى الحاضر الخصب بالقيم العُمانية الأصيلة، التي تجذَّرت في وجدان المواطن الشاعر صالح بن عيسى بن صالح بن عامر الطائي، فأثمّرت في مستقبل أهله وأحفاده شعرًا ورؤى وانتماءً لا تمحوه عاديات الدهر.. في (ولاية بوشر) تقلّب الشاعر صالح بن عيسى الطائيّ في ملاعب الصبا؛ وترجَّل بين أعمدة (مسجد النجار، أحد المعالم الآثرية الباقية من القرن الثالث عشر الهجري)، وكلما شبَّبتْه أحلام اليفوعة بَرَّدَ حرارة اللهفة إلى المستقبل أيام القيظ المحرقة بالسباحة في (فلج بو سمَّان)، وكم تنسّم عبق التاريخ العمانيّ الزاهر في حوائط (حارة العوراء)، وتصعَّد ببصره متأملًا في (بُرْج ورولة)، واستمسك بجذوره المتأصلة في أرض عُمان الطيبة فانطبعت روحه بمنظومة القيم العُمانية الأصيلة المنبعثُ أثيرُها من (سبلة فلج الشام) ليطوف بين ربوع وحارات (بوشر). ولطالما استبصر الشاعر صالح بن عيسى الطائيّ المجد المُخبأ في حصن وقلعة "الفتح"، وكثيرا ما استنطق التاريخ الصامت في (بيت السيدة ثريا)، واستقرأ النفوس وحفظ سمات الشخصية العمانية في وجوه مُرْتَادي (سوق بوشر القديم)، وكثيرا ما استظل من لهيب الشمس تحت (سور السيد برغش) بصحبة رفاق الصبا من بني الحسني (محمد بن حامد الحسني وحميد بن ساعد الحسني، وصديق آخر يُلقّب بالأمير) ما بين الضحى والظهيرة وفي هذا المقام يقول: [ذكرتني عهد الطفولة (بوشرا)/ أيامه مرَّت كأحلام الكرى -وبحي (سيبا) كان مرتع أنسهم/ نالت بهم شرفا وعزا أوفرا].

الهجرة من "سمائل" إلى "بوشر"

الشاعر صالح بن عيسى الطائي.jpeg
 

قيل إنّ هجرة أسرة الشاعر صالح بن عيسى الطائي من (سمائل الفيحاء) إلى (مسقط  العامرة) عاصمة عُمان واستيطانهم بقرية (بوشر) يرجع إلى نبوغ والده (الشيخ العلَّامة عيسى بن صالح الطائي، قاضي قضاة مسقط)، الذي أجاد فارتقى في القضاء نجمه، وارتفع بالإيمان والتقوى قدره، فصار مساعدًا لأبيه قاضي محكمة مسقط، ثم اعتلى منصة القضاء في ولاية مطرح، ثم صار (قاضي قُضاة مسقط) بتعطّف السلطان تيمور بن فيصل بن تركي بن سعيد بن سلطان البوسعيدي، ثّمَّ أنعم عليه بالعطايا السلطانيّة فأهداه (بيت الفوق)، و(مزرعة سيبا المال) في قرية (بوشر) وبعد أن استقرّت أحواله، وكَثُرَ عياله، ونَمَتْ أموالُه، وأعقبه الله  من عقيلته خديجة بنت العلامة سعيد بن ناصر الكندي ثلاثة أولاد هم (حمود، وهاشم، وصالح)؛ وهذا الابن الثالث هو شاعرنا صالح بن عيسى الطائي الذي حكى عنه أولاده أنَّه كان دائم التَّغني بهذين البيتين تَشَرُّفًا ومفاخرًا بأبيه وأجداده: [قصر رسى فوق الثرى وسما إلى/ أعلى الطباق فلا يزال رفيعا- رتعت به من (آل طي) عصبة/ ورثوا المكارم والعلوم جميعا].

الشاعر صالح الطائيّ سيرة ومسيرة

الشيخ الشاعر صالح بن عيسى بن صالح بن عامر الطائي (1932م – 1990م) والده الشيخ العلَّامة عيسى بن صالح الطائي قاضي قضاة مسقط في عهد السلطان تيمور، وأمّه كريمة العلامة القاضي الزاهد سعيد بن ناصر بن عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن محمد الكندي سعيد بن ناصر الكندية و[جدّه أبيه هو (الشيخ القاضي سعيد بن عامر بن خلف الطائيّ)، وجده قاضي مسقط (الشيخ العلاّمة صالح بن سعيد بن عامر بن سعيد بن خلف الطائي)، وأخو جده (الشيخ العلّامة حمد بن سعيد بن عامر بن خلف الطائيّ) أحد رجالات (دولة الإمام عزان بن قيس).

فلما بلغ شاعرنا صالح بن عيسى الطائيّ سني التعليم التَحَقَ بـ(المدرسة السَّعيديّة) حتى أتمّ الصف الرابع، وكانت مخرجات هذه المرحلة التعليمية في هذا الزمان قادرة على بناء شخصية الطالب وتمكينه من الإلمام بالعلوم الأساسية واحتراف القراءة والكتابة إلا أن الوسط العائلي والبيئة العلمية التي اشتُهِرت بها قبيلة (الطائيين) في عُمان، والتي كانت تعج بالشعراء والقضاة كانت سندا مكينا في التكوين الأدبي للشاعر صالح بن عيسى الطائيّ، هذا فضلا عن مصاحبته للعلماء ورجالات الفقه والأدب ممن جاوروه في سكناه واقترنت بهم روحه وخالتطهم نفسه المشرئبة لذوي النفوس العالية والقطوف الدانية؛ فتعرّف على الشيخ القاضي عيسى بن فريش الشامسي|، وهو من أخيار العلماء الذين ارتادوا (سبلة الفوق)، وترددوا على مزرعة الطائيين المشهورة باسم (سيبا المال) في ولاية بوشر، والتي كانت بمثابة (مدرسة علمية وفقهية، وحلقة علم يومية)؛ لا تنفض مجالسها، ولا تخبو أشواق معارفها، ولا تنقطع أحاديث أعلامها، ولا تجف أمواه فقهائها تحت ظلال أشجارها الوارفة والتي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربّها بصحبة الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري سماحة مفتي سلطنة عمان في الثلث الأوسط من القرن العشرين، وسماحة الشيخ حمد بن حمد الخليلي مفتي عمان الحالي، والقاضي خالد بن مهنا البطاشي، والشيخ سعيد بن حمد الحارثي.

فلمّا انقضت يفوعته ودخل طور، وتصلَّب عود شخصيته، التحق بوظيفة في شركة النفط العمانية، غير أنها لم تجد في نفسه هوى، وخالفت رفيف الأنس بالأدب، وذهبت بصاحبها بعيدا عمّا وطّن عليه نفسه الطوافة حول الشعر وباعدته فراسخ من النوى عن صحبة أولي النهى؛ فهجرها غير آبهٍ بما تدره عليه من أبّهة وعوائد تترى والتحق عام1974م بوزارة العدل والشؤون الإسلامية، ليتولى بعد زمن ليس ببعيد الإشراف على أوقاف العاصمة مسقط حتى وافته المنية عام 1990م.

فلمّا عركته الحياة ألهمته وتمحصت خبرته عرف دروب السفر، وشقّ المسالك في البر والبحر والجو، وتنقل في أقطار عديدة، وعشق الترحال داخل عُمان وخارجها، وكانت رحلاته حاضرة في شعره ممزوجة ببحبوحة العيش ورغده، وهو الذي عرف من قبل الحياة المترفة في كنف الأب الذي جمع بين رياسة القضاء وكياسة الشعراء، وتصدير (اللؤلؤ) عبر الطريق البحري مع شبه القارة الهندية واستيراد سائر ما يقيم أود المرء في بلدان الخليج من طعوم وملابس ومستلزماتها.

 

"بوشر" في شعر صالح الطائي

حُقَّ للشاعر صالح بن عيسى الطائيّ أن يحتفي بآبائه وأجداده (الطائيين والكنود) ويؤرخ لذاكرة الأماكن وخاصة (ولاية بوشر) التي نشأوا فيها ويفتخر بأصولهم التي تحدّروا منها، وبيوتهم التي نزلوا بها فقال:[هم ملجأ للخائفين من العدا/ والمؤثرين لمن أتاهم معسرا - قد كنتمُ يا (آل طيٍّ) قدوة/ لم يبق إلا (هاشم) علم الورى- علم الشريعة قد غلقتم بابه/ وسعيتم في علم عصر قد جرى- وإذا ذكرت معاهدا في (بوشر)/ من (آل كندة) هم ليوث في الشُّرا- نارت بهم (نزوى) (السويق) وردة/ودعاة حق لا يريدون الثرا- نزلوا بـ(بوشر) فاستقر مقامهم/ نالت به مشرفا وعزا أوفرا- وإذا نزلت بدارهم في مقحم/ لا تسمعن إلا الصلاة مكبرا].

كان شاعرنا صالح بن عيسى الطائي كثير الافتخار في أحاديثه وأسماره وأشعاره بولاية (بوشر)، موطيء ولادته، ومنزل الخطوة الأولى، وملاعب اليفوعة؛ فلمّا شبّ عن الطوق وجرى الشعر في شرايين وجدانه تغنَّى بها في وحَمَّلَ مُفْرَدَاتَه شحنات شعورية جمّة، تناثرت في صفحات مخطوطه الشعريّ وتداولتها الألسن في صدور المجالس. وفي إحدى قصائده وقف على أطلال (بوشر) ليس ذاكرًا ما دَرَسَ من آثارها، بلْ مستذكرا أيام صباه في مرابعها وذكرى الأحبة في أفيائها. يقول فيها: [أبرق لاح من صوب القصوف/ غروبا فاستطال به وقوفي- ذاكرني الأحبة من قديم/ وأرباب المكارم والضيوف- وبوشر مرتع الآبا بعصر/ فلست ترى شرورا أو كخوف- وفي عصر ابن تيمور سعيد/ تصان عن المفاسد والدفوف].

وعلى الرغم من عشق الشيخ الشاعر صالح بن عيسى الطائي لـ(حاضرة الهند)، وربيبتها (مومبي) الساحرة وتغنى في أشعاره بمعالمها الطبيعية والأثريّة، وجمال ورقة وجلاوة نسوتها، وبساطة شعبها، ونجاعة أطبائها، ودأبه على زيارتها سنويا بصحبة أولاده؛ إلا أنه لم ينسّ (بوشر) وأشار إليها امتنانًا. ومن نماذج أشعاره في هذا المقام أنشأ يقول: [إذا الفجر قد ضاءت بوادر ضوئه/ وبالجمعة الغراء طاب لنا الكرى- نسيم الصبا إن هبّ فاحت روائح/ ولا حر فيها بل روائح عنبرا- بها الغيد ربات الحجول وعينها/ كعين المها والصدر رمان مثمرا- إذا ميست كالغصن حركه الصبا/ تميل ولا تخشى رقيبا تسترا- فهذا قريضي فيك (بومبي) صغته/ حكى رحلتي من أرض (سيبا) بـ(بوشرا)].

الشاعر صالح الطائي ما بين حمد وعبدالله

حكى الدكتور عبدالله بن حمود الطائي عن عمه صالح بن عيسى الطائي؛ قائلا: " كان العم صالح بن عيسى الطائي يحب الذهاب إلى (دبي) لزيارة أخيه (حمد بن عيسى)، الذي كان يسكن منطقة (هور العنز)، ثم اعتاد بعد كل زيارة يذهب إلى (أبوظبي) ابن عمه عبدالله بن محمد الطائي المقيم في منطقة الخالدية، وذات مرة تقطّعت به السُّبل على الحدود العُمانية، ولم يستطع دخول الأراضي الإماراتية. ولكن بعد عبوره (رمال الفاية) ووصوله (منطقة العوير) طلب من سائق السيارة - الوالد محمد بن حامد الحسني (أخ لأخي ناصر من الرضاعة)- التوقّف، وبعدما تنفس الصعداء نظم قائلا: [قف بي على أرض العوير سعودا/أشتم رائحة النسيم قعودا- لله أياما مضت بعويرها/قضيتها وبجانبي (حمودا)-  و(محمد) هو نجل (حامد)الذي/ لا زال في أسفاره مسعودا- وأبي (محمد) من إذا ألفيته/جار الزمان أتيته مقصودا- ورث المكارم من سلالة صالح/ عيسى الذي حاز الوفا والجودا].

بوشر تودّع صالح الطائي شاعرها

على الرغم من حالة العشق الجارف للحياة، والبادي في شخصية الشاعر صالح بن عيسى الطائيّ، وتحوّله من الكآبة والحزن الذي حزّ سِكّينه لحم قلبه على فراق بعض أولاده، الذين اختطفهم الموت صغارا، وفرَّقَ بينه وبين ثلاث من زوجاته وأمهات أولاده فقضين نحبهن، وبقي هو ينتظر قابضا على جمرة الفراق وطامحا في اللقاء، عند رب الناس وخالقهم؛ إلا أن روح الدعابة لم تفارق ثغره ليل نهار خاصة عندما اجتماعه بالناس؛ حتى إذا دخل خلوته الروحية فاضت مشاعره بين يدي ربّه راكعًا في محراب القرب، وساجدًا على أعتاب الربّ، يذيب روحه في فيوضات الملكوت حتى فاضت روحه وصلوا عليه في مسجد (سيبا المال) ودفن في مقبرة (صرمة سعيد) سنة 1990 في قرية بوشر.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z