رواية العَربانة 8

الكاتب حمد الناصري

  ساد صمتٌ ثقيل عَقِب صرخة أحمد، صمتٌ قطعتْهُ إيماءة سليمان المُثقلة بالأسى والحسرة، وهو يجر أذيال ندمٍ تاريخي على فرصٍ ضاعت في دهاليز الخلاف. مدّ سليمان يده وكأنه يُحاول التمسك ببصيص أمل وسط هذا التّيه، وسأل بصوتٍ متهدج: 
ـ برأيك يا أحمد.. ماذا بوسعنا أن نفعل حيال كل هؤلاء؟ كيف السبيل لاستعادة زمام المبادرة أمام مكر المعسكرات وتغوّل الرأسمالية؟
زفر أحمد زفرات متلاحقة، وكأنه يطرد سموم تلك الحقائق من صدره، ثم قال وعيناه تتفحصان وجوه أصدقائه الثلاثة:
ـ قبل أن تسألوني عن "الفعل"، اسألوا عن "القُدرة"؛ هل نملك أصلاً حق الاختيار؟ نحن نعيش داخل جدران صُنعت في عقولنا، ونرتمي في أحضانهم حتى صار "موتنا" سلعة مستوردة. انظروا إلى الشرق والغرب؛ يختلفون في كل شيء، لكنهم يتفقون على تحويلنا إلى حلبة صراع وسوق مفتوحة للاستنزاف. يبيعون لنا السلاح لنقتل بعضنا، ويربحون هم كنوزنا ونفْطنا، بينما ننشغل نحن بصراعاتٍ تُبارك ضياعنا.. الحقيقة المُرّة هي أن أسلحتنا لم تكن يوماً لحمايتنا، بل خُلقت لقمع كل صوت يُنادي بالحرية الحقيقية بعيداً عن وصايتهم. 
استفز سؤال سليمان حفيظة أحمد، وكأنّه وضع إصبعه على جرحٍ غائر في السيادة الوطنية.. بعيداً عن وصايتهم. ثم اعتدل في جلسته وهو يشير بيده وكأنّه يرسم خارطة الأمل، وتابع بنبرة ملؤها الحزم:
ـ يا أستاذ سليمان، أنا أتفق مع هذه الصراحة.. فالنفوذ لا يُشترى من مخازن الآخرين، والقيمة لا تأتي في صناديق سلاحٍ يملك غيرك "شفرات" تشغيله أو "مفاتيح" قِطع غياره. السلاح الذي لا تصنعه يدك هو في الحقيقة قيدٌ مقنّع، لا يعزز نفوذاً بل يكرّس تبعية. النفوذ الإقليمي الحقيقي ينبع من "الاستقلال التكنولوجي"؛ أن تُرهب عدوك بابتكارك لا بمشترياتك، وأن تكون "سوقنا المفتوحة" ممرّاً لتصدير عقولنا ومنتجاتنا، لا مستودعاً لنفايات صراعاتهم. 

كان أحمد ينظر في عيني سليمان بتركيز شديد، ثم أردف:
ـ انظر حولك.. الكيانات التي تمتلك النفوذ اليوم هي التي تسيطر على "المعلومة" وتملك "سرّ الصنعة". السلاح الذي نُكدّسه يمنحنا شعوراً زائفاً بالقوة، لكنه عند لحظة الحقيقة، لا يتحرك إلا في المدى الذي يسمح به البائع. النفوذ يا أستاذ سليمان هو أن يخشاك الآخرون لأنك تملك "مفتاح طعامك، ودوائك، وذكاء آلَتك"، أما غير ذلك، فهو استنزافٌ للمال في سبيل هيبة ورْقيّة تذروها رياح المصالح الدولية عند أول منعطف.
تعمق أحمد في حديثه مردفاً:
ـ إنهم ينصبون لنا كميناً جيوسياسياً مُحكماً في المنطقة، ويتلاعبون بالوعي الجمعي لإدامة استنزاف المقدرات.
ثم بنبرة فيها أسى قال:
ـ يا أستاذ سليمان، إن استنزافنا لا يكتمل إلا بصناعة وهم العداوة؛ فالغرباء يبرعون في خلق عدوٍّ خارجيٍّ وهميٍّ، أو يبعثون أشباح عداوات تاريخية من مرقدها، ليدفعونا دفعاً نحو خيارات انتحارية، فنقبل بالعدو الحقيقي صديقاً نافعاً، وننصب الأخ والقريب عدواً لدوداً.
وأشار بيده إلى خارطة المنطقة المكلومة:
ـ انظر إلى الدخان المُتصاعد من اليمن والعراق وسوريا ولبنان وليبيا والسودان.. إقليمنا يسير في سباق نحو الهاوية؛ تنشق أواصر القربى، ويتزعزع الأمان، وتتحطّم الروابط التاريخية. ربما يسألني أحدٌ: كيف؟ فأقول: يتقاتل الإخوة على أوهام زُرعت بينهم، تتوجه بوصلة القوى الكبرى نحو البحر ومضائق العبور الاستراتيجية، لتأمين مصالحهم وضمان تدفق ثرواتنا إليهم بأسعار بخسة، بينما ندفع نحن ثمن رصاصهم من دمائنا ومستقبل أطفالنا. أليس كذلك يا أستاذ سليمان؟

بكلمات مؤلمة، وضع أحمد الحاضرين أمام الحقيقة العارية، ملوحاً بيديه بحسرة:
ـ إن السلاح والتكنولوجيا المستوردة ليست سوى قيود رقمية يمكن بضغطة زر واحدة في عواصم القرار أن تتحول إلى خردةٍ تتركنا بلا غطاء! إنني أكشف لكم اليوم عن الحقيقة التاريخية التي غفلنا عنها طويلاً وسط سباتنا الاستراتيجي؛ فصُنّاع القرار هناك يقرأون المستقبل من خلال صراعات الماضي، بينما ننسى نحن التاريخ ونستهلك حاضراً من صُنع أيديهم. إننا أمام ثورة الاستعمار التكنولوجي الذي يحلّ محل الاستعمار التقليدي، حيث تُستبدل الجيوش ببرمجيات تضمن التبعية دون الحاجة لوجود مادي على الأرض.

سكت قليلاً وكأنه يقرأ في وجوههم، ثم قال:
ـ إنّ فكرة الاستعمار في القرن الحادي والعشرين تبدأ من البرمجيات الواسعة ومن المعامل التقنية؛ فأي استيرادٍ للتكنولوجيا هو في الحقيقة دعوة لتدخل خارجي مُبرمج، ومن هنا يجد المتربصون معلوماتٍ دقيقة عن مفاصل الدول المُستوردة للسلاح التكنولوجي. وتلك هي الحقيقة التي مهما بلغت قسوتها، يجب التوقّف عندها؛ فحاضرٌ يُصنع بأيدي غيرنا لا خير فيه، وهو أولى خطوات الإذلال الحقيقي. فالتكنولوجيا حين تُستورد بلا توطينٍ للمعرفة تظل كحصان طروادة! 
ـ كيف؟! قالها سليمان وهو يُثبّت نظراته الحادة في عيني أحمد.

رمق سليمان الأخوين منصور وسعيد بغمزة سريعة، ثم تململ في كرسيه وأخذ يقلب أوراقاً بين يديه، وكأنه منشغل بأمر هام. لكن أحمد ظل صامتاً بكل ثقة، وامتدت قامته لتختزل وعي جيل كامل، ونظر في عيون الأصدقاء الثلاثة قائلاً بنبرة هزت أرجاء المكان:
 ـ كل التكنولوجيا، والأسلحة، والبرمجيات داخل أوطاننا، جاهزة للتعطل في اللحظة عَيْنِها التي نقرر فيها ممارسة سيادتنا الحقيقية! فكيف نأمن لدرع يملك غيرنا مفتاح اختراقه؟!

اقترب سعيد من أحمد، وهو يصب عتابه عليه لومًا، وهمس بدهاء:
ـ لماذا يا رجل أغضبته؟ ألم أقل لك لا تتكلم كثيراً، تحدّث في مُستوى قناعاتهم؟! ألم أُخبرك بهذا الكلام من قبْل؟! لماذا لم تفهمني؟ أرأيت الأستاذ سُليمان كيف استاء وغضب؟! أخي أحمد، نحن نهتمّ بك.. ألا تُحبّ القرية والوادي والسوق؟

هزّ أحمد رأسه بحنو وقال:
ـ نعم، وأنا فدى هذه الأرض، وسأبقى ملتزماً بما تركه لنا أهلنا من إرثٍ ندفعُ عنه ما نستطيع.

عاجله سعيد بنبرة استجوابية:
ـ أنت تُدرك إذن أنّ وجودك هُنا من أجل القرية ومن أجل الوطن بأكمله؟! فهل هناك من يُحرضك، ويُحرك فيك نزعة التمرد لتكون مثل أبيك وجدك؟

انتفض أحمد وشعر بخفقان وحرقة في صدره، وتساءل في داخله: لماذا سألني عن أبي وجدّي؟ وما علاقتهما بالسوق؟ أم أنه يربط مواقفهما القديمة بالمشروع الكبير الذي يُقوض إرادة المجتمع؟ لماذا وصفني بالمُعارضة؟! إنه كلام خطير.. فهل كل من يختلف أو يُبدي رأياً يُصنف مُعارضاً؟! لماذا يَلصقون بأبي وجدي تهماً لا قِبَل لهما بها؟ إن مشروع السوق الكبير نتجت عنه أخطاء لم تكن في صالح أهلنا، وقد تقدَم أبي وجدي لامتصاص غضب الناس وتصادمهم مع المشروع، وطالبوا بعدة إجراءات نافعة للناس والقرية، وها هم اليوم يُعيدون الكرّة، ويلبسونني التُهم ذاتها. 

وكأنه استيقظ فجأة من حديث النفس؛ أفاق من هواجس الظنون والتفكير الثقيل، وعاد إلى وعيه بعد استغراق عميق وأسئلة تقحمه في محيط الواقع المعيش للعاملين في سوق المدينة الكبير. نظر إليهم وقال بنبرة حاسمة:
ـ لا دخل لي في معارضة الأمس، ولا في مصادمة المصالح؛ لم آتِ هنا لأعرض رأي ساكني القرية في مشروع سوق المدينة الكبير، ولكني جئت مشتكياً من ممارسات مسؤولي السوق ومن الشركة التي تديره وآلياته. لا بد من وقفة كما وقف جدي وأبي؛ فهذا المشروع الكبير لا يخدمنا، فكثير منا بات لا يجد لقمة عيشه من عرق جبينه! فماذا تعني مشاريع كبرى تستنزف أموالنا ومقدراتنا ولا يستفيد منها المجتمع في حاضره، لتكون رافعة لمستقبل آمن؟!

قطعَ صوتُ حمحمةٍ من الحاضرين تدفق حديثه، لكنه استمر ينظر إلى سعيد وصاحبيه بثبات، وقال:
ـ عفواً.. أنت طلبت مني قناعاتي، وأنا قُلتها بأسْلوب أرى فيه الحِكمة، ولم أتناول ما يضر الوطن. أمّا عن القرية، والوادي، والسوق، والمشروع المختلف فيه، فتلك تركة ثقيلة، وأبي وجدّي لم يكونا مُعارضين؛ فليس كل من يختلف فهمه مع مشروعٍ ما يكون بالضرورة مُعارضاً، فالاختلاف حادث حتى بينكم أنتم الثلاثة! أمّا عن نفسي.. فمن واجبي أن أقوم بما يُوحي إليّ به ضميري نحو ما قام به الأوّلون من مُطالبات في حقهم، وليس لأجل التعارض مع مصالح عامة. الوطن خط أحمر، وما يتعارض مع مصالح الناس يجب إعادة النظر فيه؛ فالحكومة حين نزعت الملكية من أجل مشروع عام للوطن والمواطن، كان لأهل القرية وما جاوَرها حقّ المُطالبة بالتعويض العادل، لكن هناك قراءة بخسة في تقدير التعويضات، وذلك هو مكمن الخلاف فحسب.. أما عقيدتنا الوطنية فثوابت راسخة لا نقبل بغيرها: سيادة، ووحدة، واستقرار؛ إنها مُسلمات لا يمكن تجاوزها أو المساس بها، ونحن جميعاً، من رأس الهرم إلى أدنى القاعدة، علينا واجبٌ مُطلق بالدفاع عنها ولا نختلف فيه. 

بهذا الرد، قطع أحمد الطريق على كل محاولات سعيد لتأويل كلامه أو تسييس مطالب أهالي القرية المُحقة بشأن التعويضات، محولاً الموقف من موضع الدفاع إلى الهجوم العقلاني المدعوم بالولاء التام للوطن وثوابته الوطنية. لكن أحمد لم يكتفِ بذلك الرد، بل استأنف حديثه قائلاً:
ـ وأنا لن أضرّ أحداً من المسؤولين، وها أنا ذا بينكم. وسؤالي لكم: اعرضوا عليّ، هل وجدتم في كلامي أو فعلي ما يضركم؟! أما فيما يخص شكاوى أهلنا أو مطالبهم في بعض الأمور، فهم أدرى بمصلحتهم وبما يضرّهم كمستفيدين؛ إذ يقولون إنّ ملكيات أراضيهم انتُزعت لأجل مشروع ترونه أنتم مناسباً ويخدم أهدافاً معينة، بينما يرى المجتمع وأهالي القرية وما جاورها، أن وجود ثلاثة مشاريع كبيرة متجاورة ومتقاربة يثير تساؤلاً جوهرياً: ما الغرض من تلك المشاريع الضخمة في آنٍ واحد؟ وما جدوى المنفعة منها جميعاً؟ هذا هو قولهم، بل وقول كل أهالي القرى المجاورة لمشروع المدينة الكبرى الجديد وما نتج عنه من نزع ملكية الأهالي لممتلكاتهم، ولم يجدوا ما وُعِدوا به! ثم وقعَ الحدث الأكبر بعدها؛ إذ تمسّكت الشركة بالحدود المالية لما تم الاتفاق عليه مع الإدارة، مُعتبرة أنّ أي إضافات أو تعويضات أخرى تقع مسؤوليتها على عاتق المسؤولين تجاه المجتمع، وأنّ كل ما يخصها هو تنفيذ المشروع دون عرقلة أو تأخير.

واسترسل أحمد في تفنيده قائلاً:
ـ وهذا يدل بوضوح على أن الشركة التزمت بحدود اتفاقها الرسمي، بينما أولئك الذين صاغوا العقود معها من البداية لم يلتزموا بوعودهم للأهالي، أو لم تكن قراءتهم واضحة وكافية لمتطلبات المستفيدين؛ وبمعنى آخر: الدراسة لم تكن مُستوفية، تماماً كما هو الحال مع جدوى المشاريع الثلاثة التي أشرنا إليها وتنفيذها معاً! واسمحوا لي أن أتحدث إليكم بصدق وثقة وأمانة؛ ماذا وجد الأهالي غير الوعود، في حين استفادت الشركة من الثغرة القانونية لتتوقف عن العمل؟! واعذروني إن أغلظتُ في قولي: إنّ في الواجهة الآن ثلاثة أطراف هم أصل المشكلة: المسؤولون، والشركة المنفذة، وأصحاب الأرض، وذلك في ظل غياب العدالة القانونية. وأكرر السؤال مرة أخرى: أين هي الآلية المنصفة والعادلة التي يمكن أن يلجأ إليها هؤلاء الثلاثة في حال تعارضت مصالحهم؟ ومن الذي سيفصل بينهم؟ ومن هي البصيرة النافذة في هذا الأمر؟ إن المجتمع بأكمله ـ قاصيه ودانيه ـ مستاءٌ من جذور هذه الأزمة، متضايقٌ ويتذمّر من المُماطلة والتردد، ولم يخفِ الناس موقفهم بل قالوها صراحة: نحن سنبقى في توجس من ساكني المدينة الكبرى. والسؤال المطروح: من هم ساكنو هذه المدينة؟ وما أخلاقهم؟ وما أعرافهم وتقاليدهم؟ وما هو دورهم ومنافعهم في مستقبل أمن المدينة الكبرى؟
 وتابع أحمد وهو يذكّرهم بما حدث:
ـ وحسبما تذكرون، فإنه بعد أيام من إعلان منشور يحمل تأييداً مبطناً للشركة والمسؤولين القائمين عليها، قرر ساكنو القرى الواقعة ضمن نطاق المشروع بثّ شكواهم علانية؛ فتقدم أحد وجهاء القوم ـ الذي اختاره الأهالي ليكون قائداً ومتحدثاً باسمهم امتداداً لإرث أبي وجدي ـ وقال رافعاً صوته بحسرة، مخاطباً المسؤول الكبير في مشروع المدينة الكبرى: نحن بين أمرين كلاهما أقسى وأمرّ من الآخر؛ إما أن نستمر في مطالبنا المشروعة ونتحمل مرارة التنفيذ، وإما أن نصمت مُكرهين ونترك الأمر لقاضي السماء!
يتبع 9

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z