خليج ما بعد الأزمة

 

 

 

د. محمد بن خلفان العاصمي

يُجمِعُ خبراءُ السياسة والاقتصاد والأمن في العالم على أن الأزمة التي تمر بها منطقة الخليج والحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران سوف تُلقي بظلالها على المشهد المستقبلي للمنطقة، وهذا التأثير سوف يُغير الكثير من ملامح الواقع الحالي وسوف يرسم خريطة جديدة للمنطقة، مشهد لا يشبه ما قبل اندلاع الحرب، ويختلف كليًا حتى من حيث الأفكار والخطط والتحالفات والمواقف والتكتلات السياسية.

هذا الإجماع هو نتيجة لما يشهده الخليج العربي من تحولات في المواقف السياسية، والتي أصبحت واضحة ومعلنة وبعيدة عن الدبلوماسية التي عُرفت بها دول المنطقة، خاصة دول الخليج العربية. خليج الغد لن يُشبه خليج اليوم، وهذا بحسب ما يراه الخبراء، وربما تكون أول مشاهد التغيير والاختلاف هو توجه دول الخليج إلى تعزيز الأمن والدفاع؛ وذلك من خلال الاستثمار الضخم في القطاع العسكري والتسليح، والاتجاه نحو تعزيز المنظومة الدفاعية. وهذا الرأي يستند إلى قراءة دقيقة لمسار الحرب الحالية؛ فقدرات إيران العسكرية ساهمت في صمودها أمام أقوى جيشين من جيوش العالم، كما أن التهديد الذي تعرضت له دول الخليج العربي واضطرارها للدفاع عن نفسها يجعل من قضية تعزيز الأمن والدفاع أولوية غير قابلة للجدال.

مرحلة ما بعد الحرب تفرض دورًا سياسيًا أكبر لدول الخليج، خاصة في مجال الدبلوماسية والوساطة؛ حيث لن تكون دول الخليج مجرد متأثرٍ بما يدور في المنطقة، مثلما حدث في السابق؛ إذ ستتحول إلى لاعب رئيسي في إدارة الأزمة. وهنا تبرُز سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية كأهم دولتين قادرتين على قيادة هذا التحول، وذلك لما تملكانه من مقومات مهمة تتمثل في الخبرة التاريخية للوساطة الدولية، والعلاقات الدولية الواسعة، والتي سوف تكون أهم عوامل نجاحهما في قيادة التحول الدبلوماسي في مرحلة ما بعد الأزمة.

ومن المتوقع استمرار سياسة تنويع العلاقات مع القوى الكبرى خلال المرحلة المقبلة، وعدم الاعتماد على شريك دولي واحد كما حدث في مرحلة ما قبل الحرب؛ حيث وقعت دول المنطقة في وضع حرج، خاصةً أن الطرف الذي كانت تعتمد عليه بشكل مطلق هو أحد أطراف الصراع؛ الأمر الذي تسبب في جعلها أهدافًا عسكرية، ولذلك لا بد من أن المرحلة المقبلة سوف تشهد إعادة النظر في الشراكات القائمة وتنويعها وعقد شراكات جديدة بما يمنح دول الخليج هامشًا أوسع للمناورة السياسية وقدرة على مواجهة الاضطرابات السياسية التي قد تحدث مستقبلًا، بما يمكنها من حماية مصالحها وإبعاد الحروب عن أراضيها.

أما على المستوى الاقتصادي، فقد كان لإغلاق مضيق هرمز تأثير كبير على سوق الطاقة العالمي، وربما لم يتعرض هذا القطاع لهكذا أزمة سابقًا، وهذا ما سوف يدفع دول الخليج والعالم في المستقبل للبحث عن حلول وبدائل في حال حدوث أزمة أخرى، كما أن دول الخليج سوف تبحث عن بدائل للنفط والغاز كمصادر دخل قومي، كما أنها سوف تضع ملف التنويع الاقتصادي كأحد الاستراتيجيات المهمة في خططها المستقبلية بشكل جدي، بشكل يقلل الاعتماد على هذين المصدرين، وربما بات التفكير جديًا في حلول تمكن دول الخليج من تجنب وقف التصدير في حال إغلاق الشريان الاقتصادي مثلما حدث مؤخرًا، والحلول سوف تكون عن طريق إنشاء مناطق تخزين خارج الخليج أو عن طريق مد أنابيب لمناطق أكثر أمنًا.

سوف يكون أمن الممرات البحرية في مرحلة ما بعد الأزمة أحد الملفات التي سوف يتم التركيز عليها من المجتمع الدولي، وستُعاد صياغة الاتفاقيات الدولية بما يضمن عدم المساس والتأثير على خطوط الطاقة وسلاسل الإمداد، باعتبارها عناصر حيوية للاقتصاد العالمي والخليجي. ومن المؤكد أن العالم لن يسمح بتكرار ما حدث، خاصة وأن استياء المنظمات الدولية والمجتمع الدولي كانا كبيرين جراء ما حدث وما يحدث في المنطقة، وبكل تأكيد سوف يكون للدول المُشاطِئة لهذه الممرات دورًا كبيرًا في مستقبل تأمين الملاحة البحرية فيها، مما يعني دورًا أكبر لسلطنة عُمان والجمهورية الإسلامية الإيرانية في مضيق هرمز.

لكن ماذا عن سلطنة عُمان؟

سوف يكون لسلطنة عُمان دور أكثر أهمية في مرحلة ما بعد الأزمة؛ ففي هذه الحرب التي لم تنتصر فيها أمريكا ولم تتمكن من إسقاط النظام الإيراني، كما أن إيران تكبدت خسائر كبيرة، ولكنها عرفت كيف تخرج من الحرب بوجهٍ حسن، في ظل هذه الحالة فإن النهج العُماني القائم على التوازن والحوار والوساطة قد يزداد أهمية؛ حيث إن الأطراف غالبًا ما تبحث عن قنوات تواصل موثوقة عندما تصل المواجهات إلى حدودها القصوى. وقد لعبت سلطنة عُمان دور الوسيط بين الدولتين خلال الفترة الماضية، وسعت إلى تقريب وجهات النظر بين الطرفين، ولذلك من مصلحة البلدين أن يستمر هذا الوسيط الذي كان يرى أن الحرب لن تحل أوجه الخلاف، وأعلنت أن هناك فرصة كبيرة للوصول إلى حلول سلمية، وقادت المفاوضات حتى اللحظة الأخيرة.

بشكل عام.. يرى الخبراء والمراقبون أن ما حدث خلال المرحلة الماضية سوف يُسرِّع من التحولات السياسية والاقتصادية والأمنية والدبلوماسية في المنطقة، وأن مرحلة ما بعد الحرب لن تكون مثل التي قبلها، وهذا رأيٌ أجده صائبًا إلى حد كبير، وعلى دول المنطقة أن تستعد لهذه التحولات.

 

الأكثر قراءة

z