جودة التعليم وصناعة المستقبل

 

صالح الغافري

في سلطنة عُمان، التعليم ليس مجرد فصول وكتب، بل هو منظومة حياة تصنع المستقبل. الطالب بذرة الغد يحمل أحلام الوطن، والمعلم مصباح يضيء العقول ويغرس القيم، والمدرسة بيت ثان يحتضنهم ويهيئ بيئة النمو والإبداع. أما المحافظة التعليمية؛ فهي اليد القريبة من الميدان تدير الموارد وتترجم السياسات إلى واقع ملموس، والوزارة هي العقل المُخطِّط والمَظلَّة الكبرى التي توجه المسار الوطني.

وتأتي الهيئة العُمانية لضمان جودة التعليم لتكون البوصلة وميزان الجودة، تُقيم الأداء وتمنح الثقة بأن التعليم يسير نحو منافسة عالمية، وإذا انسجم هؤلاء جميعًا اكتملت المنظومة وصار التعليم قوة دافعة للتنمية وبوابة لمستقبل مشرق. وقد أُنشئت الهيئة لتكون المرجع الوطني التي تضع المعايير، وتُقيم الأداء، وتُصدر تقارير مستقلة عن واقع التعليم، وتُشارك في الدراسات الدولية التي تقيس موقع عُمان بين دول العالم، وتُطور الإطار الوطني للمؤهلات الذي يربط التعليم العام بالتعليم العالي وسوق العمل. إنها بذلك تُسهم في بناء منظومة تعليمية متكاملة تُعزز الثقة بأن المسار يسير وفق رؤية وطنية واضحة وتُؤكد أن الجودة أصبحت قضية مركزية في مشروع التنمية الشاملة.

وتُقاس جودة التعليم في المدارس عبر منظومة متكاملة من المجالات والمعايير، تشمل جودة التعليم والتعلم من خلال التدريس الحديث والتقييم العادل وشمولية المناهج، والقيادة المدرسية عبر التخطيط والتطوير المهني وإدارة الموارد، إضافة إلى البيئة المدرسية بما توفره من بنية تحتية وصحة وسلامة وتقنية، ونواتج التعلم من خلال التحصيل الأكاديمي وتطور المهارات، والدعم الفردي عبر الرعاية النفسية وتكافؤ الفرص، وأخيرًا الشراكة المجتمعية من خلال التواصل الفعّال مع الأسرة ومشاركة المجتمع المحلي.

لكن الميدان يكشف عدة تحديات: ازدحام الفصول، نصاب الحصص المرتفع، نقص الكوادر، تأخر استلام الكتب، وضعف المباني. كما أن نقص الأخصائيين وقلة التشكيلات الإدارية يُضعف الدعم الفني، وكثرة التكليفات الإدارية تزيد الضغط، إضافة إلى ضغط المناهج وضعف الوسائل التعليمية وقلة التدريب العملي وضعف متابعة المشرفين، فضلًا عن تحديات النقل المدرسي. هذه التحديات تتفاوت من مدرسة إلى أخرى ومن محافظة إلى أخرى، وإن كان توقيت الحصص وطول اليوم الدراسي لجميع المراحل موحدًا فإنها تبقى نقاطًا مشتركة للجميع. 

وأمام هذه التحديات لجأت الوزارة إلى حلول مؤقتة مثل فتح المدارس المسائية، أو تعيين المعلمات في مدارس الذكور، أو الانتدابات المتكررة، إضافة إلى المشاغل والأنشطة التي تستهلك وقت المعلم. بينما يلجأ بعض المعلمين إلى تكثيف الواجبات المنزلية أو دمج الفصول أو أخذ حصص التقوية لإنهاء المقرر، بينما تلجأ الأسر إلى الدروس الخصوصية، ويُستخدم التعليم الرقمي بشكل جزئي عبر بعض الوسائل الحديثة كحل مؤقت، كما تُغيَّر جداول الحصص أو تُدمج بعض المواد الدراسية. هذه الإجراءات تُخفف الضغط لكنها لا تُعالج الجذور، وهنا يبرز دور الهيئة في تقديم توصيات جذرية تربط الحلول بمعايير الجودة الوطنية.

وهنا أيضًا يتجلى الوعي بدور الهيئة في الميدان، وخاصة لدى المعلم والمتعلم، ما زال بحاجة إلى مزيد من التعزيز؛ إذ تُستنزف الموارد وتُصرف الأموال في استعدادات شكلية ومظاهر تجميلية عند زيارة الهيئة خشية الملاحظات السلبية، وكأننا عدنا إلى زمن المسابقات. غير أن الجودة الحقيقية لا تُقاس بالمظاهر إنما بقدرة التعليم على صناعة أثر ملموس في الطالب والمعلم. لذلك يصبح من الضروري أن تبدأ الهيئة بالتوعية أولًا ثم التجريب في نطاق محدد مع تمكين المحافظة من جميع الجوانب قبل الانتقال إلى محافظة أخرى، لضمان أن الإصلاح يسير بخطوات مدروسة وأن الموارد تُستثمر في بناء جوهر التعليم لا مظاهره".

وفي جانب آخر تتجه الهيئة العُمانية لضمان جودة التعليم إلى تنظيم الرخص المهنية ومسميات المعلمين مثل معلم مُمارِس ومعلم متقدِّم ومعلم خبير. هذه الخطوة تمنح المعلم هوية مهنية واضحة ومسارًا للتدرج والترقي وتُسهم في رفع مكانة المهنة وتعزيز الثقة في الأداء. غير أن نجاحها يتطلب بيئة تعليمية عادلة ومستقرة، فالتقييم المنصف لا يمكن أن يتم في فصل مزدحم أو مع نصاب مرهق. ولا شك أن هذه الرخص تتماشى مع التوجهات العالمية في تطوير مهنة التعليم.

وبين نظرة الطموح التي ترى في الهيئة بداية ضرورية لمسار طويل يُبنى خطوة بخطوة، ونظرة الحذر التي تُدرك أن الظروف الميدانية غير مهيأة، يبقى السؤال أمام أصحاب القرار: هل كان إطلاق الهيئة خطوة متعجلة أم تأسيسًا لا غنى عنه لمسار إصلاحي شامل؟ إن نجاح الهيئة لن يُقاس بمجرد وجودها أو بمسمياتها، بل بقدرتها على أن تُحدث فرقًا ملموسًا في حياة المعلم والطالب وأن تُحول التحديات اليومية إلى إصلاحات جذرية تُعيد للتعليم عافيته وتجعله منافسًا عالميًا.

ومن بين الحلول المطروحة لتفادي تعثُّر المشروع يبرُز خيار التدرج حسب المحافظات؛ إذ يمكن للهيئة أن تبدأ بتطبيق معاييرها ورخصها المهنية في محافظة أو اثنتين كتجربة أولى، بشرط حل معوقات وتحديات الميدان، ثم تُقاس النتائج وتُعمم التجربة تدريجيًا على بقية المحافظات بنفس النهج. هذا النهج يُراعي تفاوت الموارد والظروف الميدانية المختلفة ويُتيح توزيع الجهد الإداري بشكل أكثر واقعية، كما يُسهم في إقناع المجتمع بجدوى المشروع عندما يرى نتائج ملموسة في نطاق محدد.

وهكذا تتحول الهيئة من عبء إلى قوة حقيقية للتنمية، وتتكامل المنظومة التعليمية: الطالب محور العملية، والمعلم قائدها، والمدرسة بيئتها، والوزارة راعية السياسات.

الأكثر قراءة

z