رواية العَربانة 6

 حمد الناصري

توقّف سُليمان الأزدي قليلاً وهو يُطيل النظر في عيني أحمد، وكأنه يقرأ في ملامحه ما وراء الكلام، ثم أردف وهو يلتفتُ إلى الأخوين، سعيد ومنصور، وقال بنبرةٍ تُوحي بأنه لا يتحدث كتاجر، بل كقائدٍ يختار "رجاله" بعناية فائقة:
ـ بعد هذا اللقاء أخي أحمد، تبيّن لنا أننا وجدنا الرجل المخلص، والشخصية الوطنية التي نثق بها. لذا، ارتأينا ـ بل وجب علينا ـ أنْ نُبدي لك تقديرنا لشخصك الأصيل، واحترامنا لوطنيتك المثالية. لقد اخترناك لأنك الرجل الأمين المتعاون، وسوف نُطلعك على الاختصاصات والواجبات التي ستديرها.. ولا ريب أن لك معرفةً بالسوق وحركة المتسوقين ومرتاديه، ولديك باعٌ طويلٌ في أساليب البائعين والمتجولين.. سكت قليلاً ثم استطرد بابتسامة: وأمّا ما يخصّ العلاقة بيننا، فإنّا نطمح أن تكون علاقة وثيقة.. أتعرف لماذا؟ لأنك يا أحمد، كبيرٌ بانتمائك، لا تقبل الانحناء لغير الوطن، ولا تقبل الانقياد إلا للمسؤولية الوطنية.

     ألقى نظرة طويلة ومركزة في عيني أحمد، سحب نفساً عميقاً وأردف:
ـ نحن نُدرك يقيناً بأنّ لك قدرةً عاليةً على التّحمل، وصَبراً لا يلين في سبيل تحقيق الهدف المنشود.

   لم ينبس أحمد بكلمة، وراح يُقلّب أفكاره يسرةً ويمنة. استغرق في تفكير عميق وشرد بذهنه بعيداً يُحدّث نفسه: ماذا يُريدون مني؟ ضغط نفسي بدا عليه، وتساءل في داخله: ألم يجدوا غيري؟ ثم ماذا وراء تلك المفردات؟ قدرة عالية على التحمّل لتحقيق الهدف.. أي هدف هذا؟ لماذا يُلاحقونني به؟ أأنت كبيرٌ بانتمائك للوطن؟ نعم، وكبيرٌ بحسّ المسؤولية الوطنية! أليسوا هُم من الوطن؟ ألا ينتمون إلى هذا الوطن، أم تغافلوا عن حقوقه عليهم؟ وما الداعي إلى لفت انتباهي إن كانوا كذلك؟! أسئلة لم يكفّ عنها عقل أحمد. كان يشعر في قرارة نفسه بأنّ وراء تلك الكلمات مُهمة قد تُبدّل مساره، أو مسؤولية جسيمة قد تُغيّر مجرى حياته تماماً. لقد كان حدسهُ يخبره بأنّ دخوله من باب هذا السوق، لم يكن كدخوله من باب أيّ تجارة أخرى؛ إنها عتبة مرحلة لا عودة فيها.
كانت تراوده شكوك وقلق عميق حول سرّ هذا الاهتمام المفاجئ.. مديح مُغدق، وثناء عريض، وهو لا يزال يرى فيهم أساتذة كباراً؛ فكيف لهذه المعادلة أن تنقلب بهذه السرعة ليصبح هو مركز ثنائهم؟ صراع داخليّ عنيف يطوّقه، وشعور يقينيّ بأنّ ساعة المُهمة قد أزفت.. لقد بدأ كلّ ما كان يحذر منه يتجسّد أمام ناظريه، مُقَدّماً على طبق من الخوف والريبة في نواياهم.

شعر سُليمان بأنّ أحمد يُقلّب أفكاره في صمت، رُغم ما يُظهره للجمْع من هدوء حذر، فقال سُليمان وكأنه يحاول إيقاظه من شتات ذهنه:
ـ أنا مسرور بوجودك هنا يا أحمد.. لقاؤنا الأول، بادرة طيبة لتوطيد علاقتنا، ولتأسيس عمل مشترك يخدم هذه الأرض الطيبة. وقبل كل شيء، ينبغي عليك التعاون الوثيق مع الأخوين منصور وسعيد؛ وأنا أطلبُ منهما الآن توثيق العلاقة معك، وإطلاعك على كل ما سيُوكل إليك من مهام.
سحبَ سُليمان نفساً عميقاً، وكأنه يستجمع إرث الأجداد في صدره، ثم أردف:
ـ فلسفتنا قامتْ ـ ولا تزال تقوم ـ على ركائز أساسية للحياة، لكننا اليوم في أمسّ الحاجة إلى تجويدها وصياغتها بما يتناسب مع عِظَم التحديات.
قال منصور مُقاطعاً بفضولٍ مشروع:
ـ ما هيَ تلكم الركائز؟ وكيف يُمكن تجويدها؟
قال سَعيد مُداخلاً بصوتٍ واثق:
ـ أعتقد أنّ أحمد يعرف تلك الركائز النظريّة جيداً، وعلينا أن نستفيد من فِكره في توضيحها.. أليس كذلك يا أحمد؟

ابتسمَ أحمد، وعدّل من جلسته وقال بصوت واثق:
ـ إذن، سنبدأ بالركائز أولاً؛ فالسّلام والأمان ركيزتان أساسيّتان لمجتمع يُؤمن أنّ السّلام حقّ وواجب. فلسفتنا الوطنية تقوم على أنّ السّلام يبني الأوطان، ويدعم الأمان، وبهما ترتقي العقول وتزدهر الحضارات.
قال سليمان مقاطعاً:
ـ هذه فلسفة تحتاج إلى شرح وتنظير؛ فليس لدينا وقت للانتظار.
قال منصور بطريقة فيها مكرٌ وخبث:
ـ سيدي، لعل أحمد يقصد أننا بالسلام نشعر بالحق، وبالأمان نستشعر الواجب.
هزّ أحمد رأسه إيجاباً وعقّب:
ـ رغم أنّ الحق والواجب متلازمان ولا ينفصلان؛ فما هو حقّ لك هُو واجب عليك، وما ينتفع به الوطن يعود بالمنافع عليك. وفي تلك المنافع حقّ لك، مثلما أنّ ما تُؤدّيه للوطن هو واجب عليك؛ لتعمل وتنتفع به الأجيال المُتعاقبة من بعدك.

قال منصور بثقة وانتشاء:
ـ صدقت، ولكي تضمن التوازن لا بُد من عدالة، والعدالة مسؤولية والتزام.
قال سعيد بعد سكوت طويل:
ـ ما قلته حق لا باطل فيه.. فالسلام حق للوطن، وعلى القيادة أن تسعى لتوفيره في مقدمة أولويات مهامها.

والتفت سعيد إلى سليمان خُلسة وقال:
ـ سيدي، كأنّ أحمد يقول: إن استقرار المجتمع هو توازن بين الحق والواجب.. توفرهما العدالة.
قال سليمان بذكاء أريب ـ وقد عُرف بالفطنة وتوقّد الذهن:
ـ أنا لم أتعرّف على تخصص أحمد بعْد.. فهل هو طالب فلسفة، أم قانون، أم شريعة؟ إنه يبدو فقيهًا في كل شيء!
تعالت ضحكاتهم الثلاث، وتلاقت أكفهم تصفيقاً لأحمد. شحن هذا الدّعم روح أحمد بالثقة، فاستجمع حماسه وقال بابتسامة واثقة:
ـ رغم فارق السن بيننا، إلا أن قطار المعرفة يتسع للجميع. مسؤوليتنا مشتركة، ويقيني فيكم كبير بأنكم لن تدّخروا جهداً في غرس قيم المواطنة الحقة؛ فالأمان هو التربة التي يزهر فيها الإبداع وتتحقق بها التنمية، وبالتزامنا المشترك نبني مجتمعاً واعياً، وننال حرية مسؤولة تصونها الحقوق والواجبات. 

سحب أحمد نفساً عميقاً، ونظر في عيونهم بثبات قبل أنْ يستأنف:
ـ اعذروا جرأتي إنْ بدا رأيي غريباً، أو نطق به أصغركم سناً، لكن الإنصات واجب؛ فالانقسام جُمود، والجمود يورث الضعف. نحن نقف على أعتاب ثورة معلوماتية وتكنولوجية هائلة، وإن لم نواكب هذا التسارع بقوة، سنواجه تهديداً حقيقياً يمس اقتصادنا، وحياتنا الاجتماعية، ومعاشنا. جودة الحياة اليوم تتطلب كفاءةً قادرة على مجاراة الذكاء الاصطناعي. قد تسألون لماذا؟ لأن الآلة لا تبتكر؛ الإنسان هو الأصل، وإن قلّ ذكاء الصانع، تهاوت كفاءة المصنوع واندثر الإبداع.

صمت أحمد برهة، تاركاً لسؤاله القادم أن يتردد في أرجاء المكان، ثم قال بنبرة تملؤها الحيرة والتحدي معاً، يطرح سؤالاً يفرض نفسه بقوة:
ـ كيف سنواجه القرن المقبل، بكل ما يحمله من دفق معلوماتي فائق، يكاد يتجاوز حدود الاستيعاب البشري التقليدي؟ إنّ الإجابة تكمن بين أيدينا؛ فاستثمار طاقات شبابنا في هذه الميادين التقنيّة ليس مجرد خيار، بل هو الرهان الأسمى على عقولهم وقدراتهم الإبداعية، ليكونوا هم صُناع الغد لا ضحاياه. 

أومأ سليمان برأسه علامة التأييد، وامتزجت نبرته بالحماس وهو يقول:
ـ أحمد على صواب، فكلماته تنبثق من وعي ناضج وعقلية مُتقدة. إنّ الاستعداد للمستقبل لم يعد ترفاً؛ فالعالم في الغرب وفي شرق آسيا يسبقنا بأشواط في العتاد، والطاقات، والابتكار الهائل. لكن، وكما أشار أحمد، فإن المراهنة على الشباب واستثمار إبداعاتهم هو الوقود لصناعة نهضتنا المتجددة. ما ننشده اليوم هو حركة تطويرية شاملة؛ نُحَدّث المشاريع، ونُعيد صياغة النظم والقوانين، ونُحيي قيم تعاملنا الإنساني بأساليب حديثة تواكب مصالح الناس وتغيرات العصر. إنها ـ باختصار ـ صناعة انتعاش مستدام.
لمعت عينا منصور باهتمام، ومزج سروره بمسحة من القلق الواقعي وهو يتساءل:
ـ إنّ ثورة المعلومات التي تتحدثون عنها طوفان هائل، فهل تضاهيه إمكانياتنا الحالية؟ ومن هي العقول التي ستتولى صياغة هذه الأسس وهندستها؟ إنّ مشروعاً بهذا الحجم يقتضي تدفقات مالية ضخمة، وبيئة اقتصادية راسخة ومستقرة؛ فهل نحن مستعدون لدفع هذه الكلفة؟
خيّم الصمت على أرجاء المكان لبرهة، وشخصت الأبصار نحو أحمد الذي بدا مستغرقاً في التفكير. تنهد بهدوء، ثم قال بنبرة عاتبة ولكنها حازمة:
ـ هذه هي معضلتنا دائماً؛ نُسارع إلى صياغة الأعذار ووضع العِلل قبل أن نبذل شرف المحاولة، أو نكلف أنفسنا عناء تتبع الأسباب وجذور المسألة.
صوّب سعيد نظراته مباشرة نحو أحمد، واشتبكت عيناهما في صمت مُحَمّل بالتحدي، ثم تحدث بنبرة هادئة ورزينة:
ـ لا أدّعي امتلاك الحقيقة؛ إن كان رأيي صواباً فخذوا به، وإن زلّ فصوّبوني. لكن شريطة أن تفهموا مقصدي أولاً: أوضاعنا الراهنة تفرضُ علينا أن نناقش الأمور وفق مقتضى الحال، وتبعاً لإمكانيات الواقع الذي نتنفسه. والأهم من ذلك كله، ألّا نُسقط عبء المسؤولية كاملاً على كاهل المسؤولين وحدهم؛ فالبناء يحتاج منا جميعاً أن نتشارك الحمل. 
يتبع 7

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z