التصوير المستمر للحياة.. هل نعيش فعلًا أم نستعرض؟!

 

 

د. سليمان بن خلفان المياحي

 

في السنوات الأخيرة، لم يعد التصوير مجرد وسيلة لحفظ الذكريات، بل أصبح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. نستيقظ فنصوّر، ونسافر فنصوّر، ونجتمع مع الأهل فنصوّر، ونتناول الطعام فنصوّر، بل إن بعض الناس باتوا يوثقون أدق تفاصيل يومهم قبل أن يعيشوها.

ومع هذا الحضور الطاغي للكاميرا في حياتنا، يبرز سؤال يستحق التأمل: هل ما زلنا نعيش اللحظة حقًا، أم أننا أصبحنا منشغلين باستعراضها أمام الآخرين؟ وسؤال مصيري آخر: هل نحن فعلًا نعيش حياتنا، أم أننا مجرد ممثلين في مسرحية أبدية أمام كاميرات خيالية؟

لقد تحولت هواتفنا إلى عيون ثالثة لا تغمض. كل مشهد، وكل وجبة، وكل مكان نزوره، لم يعد يُقدَّر بذاته، بل بعدد الإعجابات التي سيجنيها. نُعِدّ حياتنا كأنها بوستر فيلم: نرتدي ما يليق بالكاميرا، ونبتسم للعدسة لا للنفس، ونبكي أحيانًا إذا كان البكاء "فوتوجينيك".

لا شك أن توثيق اللحظات الجميلة أمر مشروع ومحبب للنفس، فالإنسان بطبعه يحب الاحتفاظ بذكرياته واسترجاعها بين الحين والآخر. لكن الإشكال يبدأ حين تتحول الحياة إلى عرضٍ دائم، ويصبح اهتمامنا بكيف ستبدو اللحظة للآخرين أكبر من اهتمامنا بمعايشتها والاستمتاع بها.

لقد أصبح بعض الناس يعيشون الحدث بعين المتابعين لا بعينهم هم. يسألون أنفسهم: ماذا سأكتب؟ وكيف ستبدو الصورة؟ وكم إعجابًا سأحصل عليه؟ بدلًا من أن يسألوا: ماذا أشعر الآن؟ وماذا أتعلم من هذه اللحظة؟

ومن اللافت أن كثيرًا من الدراسات النفسية الحديثة تشير إلى أن الانشغال المفرط بتوثيق الأحداث قد يقلل من الاندماج الحقيقي فيها، ويضعف استمتاع الإنسان بها؛ لأن جزءًا من تركيزه الذهني ينصرف إلى عملية التوثيق ذاتها بدلًا من التجربة التي يعيشها.

وفي المنظور الإسلامي، نجد توجيهًا عميقًا نحو الإخلاص والصدق مع النفس. فالمؤمن لا يجعل قيمة أعماله مرتبطة برؤية الناس لها أو إعجابهم بها. يقول الله تعالى: "وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ" (البينة: 5). والإخلاص لا يقتصر على العبادات فحسب، بل يمتد ليكون منهج حياة يجعل الإنسان أكثر اهتمامًا بحقيقة الشيء من صورته، وبجوهر العمل أكثر من الانطباع الذي يتركه لدى الآخرين.

وفي موضع آخر من الكتاب العزيز، يقول الله تعالى في محكم تنزيله: "وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا" (الأنعام: 70).

فإذا كان الدين -وهو أقدس شيء- قد يُتخذ لعبًا ولهوًا، فما بالك بالحياة نفسها؟ ألسنا نخاطر بأن تكون حياتنا كلها مجرد لعب واستعراض، نلهث وراء إعجابات تتبخر سريعًا؟

بل إن القرآن الكريم، في موضع ثالث، يخبرنا أن الحياة الدنيا ليست دار استعراض، بل دار عمل وابتلاء: "الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا" (الملك: 2). إذن، العمل، وليس "أحسن عرضًا"؛ فالفارق شاسع.

كما أن نبينا ﷺ لفت الأنظار إلى خطورة التعلق بنظرة الناس وتقديرهم حين قال: «إنما الأعمال بالنيات»؛ فالقيمة الحقيقية لأي عمل لا تكمن في عدد من شاهده، بل في النية التي انطلق منها والأثر الذي تركه. فلو كانت نيتك في كل لحظة أن تُظهرها لا أن تعيشها، فماذا يكون حظك من الأجر الحقيقي؟

ولعل من أخطر ما تفرزه ثقافة الاستعراض المستمر أنها تدفع البعض إلى مقارنة حياتهم بحياة الآخرين المقصوصة بعناية على منصات التواصل الاجتماعي. فيرى الإنسان صورًا لرحلات وإنجازات وابتسامات لا تعكس بالضرورة الواقع كاملًا، فيظن أن الآخرين يعيشون حياة مثالية، بينما يعيش هو حياة عادية. ومن هنا تبدأ مشاعر النقص وعدم الرضا بالتسلل إلى النفس.

الحقيقة التي نحتاج إلى تذكرها دائمًا هي أن أجمل اللحظات في الحياة ليست بالضرورة تلك التي نُشرت، بل كثيرًا ما تكون تلك التي عشناها بصدق بعيدًا عن العدسات والشاشات. لحظات الحديث مع والدينا، والجلوس مع أبنائنا، والدعاء في خلواتنا، والفرح البسيط الذي لا يحتاج إلى جمهور ليمنحه قيمته.

لسنا مطالبين بالتوقف عن التصوير أو هجر وسائل التواصل، فهي أدوات نافعة إذا أُحسن استخدامها. لكننا مطالبون بأن نستعيد التوازن، وأن نسأل أنفسنا بين حين وآخر: هل نصوّر لنحفظ الذكرى، أم نصوّر لنصنع انطباعًا؟ هل نعيش اللحظة ثم نوثقها، أم نوثقها حتى نفقد فرصة عيشها؟

إن الحياة الحقيقية لا تُقاس بعدد الصور التي التقطناها، ولا بعدد الإعجابات التي جمعناها، بل بعمق اللحظات التي عشناها، وصدق المشاعر التي شعرنا بها، والأثر الجميل الذي تركناه في نفوس من حولنا.

فحين نغلق الكاميرا أحيانًا، قد نفتح أبوابًا أوسع للحياة.

 

** استشاري تربوي ومدرب دولي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z