عواصم - الوكالات
في ظل تسارع وتيرة التغيرات المناخية وذوبان الجليد في القطب الشمالي، تتجه المنطقة نحو تحول استراتيجي من حاجز جغرافي معزول إلى واحدة من أبرز ساحات التنافس الجيوسياسي والاقتصادي في العالم، مع تصاعد سباق القوى الكبرى على الموارد الطبيعية وطرق الملاحة والنفوذ العسكري.
ووفق تقديرات صادرة عن المجلس الأطلسي بالولايات المتحدة الأمريكية، يحتوي القطب الشمالي على نحو 90 مليار برميل من النفط، ما يمثل حوالي 16% من إجمالي الاحتياطات غير المكتشفة عالمياً، إضافة إلى 1.669 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي و44 مليار برميل من سوائل الغاز الطبيعي، فيما تقع نحو 84% من هذه الموارد في مناطق بحرية تحت قاع المحيط المتجمد الشمالي.
أدى التراجع المستمر في الغطاء الجليدي إلى تغييرات جوهرية في إمكانات الملاحة عبر القطب الشمالي، حيث ارتفعت فترة الملاحة في ممر الشمال الغربي من شهرين إلى نحو أربعة أشهر سنوياً، بينما أصبحت طريق البحر الشمالي على طول الساحل الروسي صالحة للملاحة لمدة تصل إلى ستة أشهر سنوياً.
ومع استمرار انحسار الجليد، يتحول القطب الشمالي تدريجياً إلى ممر ملاحي استراتيجي يربط بين أهم المراكز الاقتصادية العالمية، إذ تشير التقديرات إلى أن المسافة البحرية بين شنغهاي وهامبورغ قد تنخفض من نحو 21 ألف كيلومتر عبر قناة السويس إلى حوالي 15 ألف كيلومتر عبر المسار القطبي، ما ينعكس على تقليص زمن وتكاليف الشحن الدولي.
لا يقتصر التنافس في المنطقة على الممرات البحرية، بل يمتد إلى الموارد الطبيعية الهائلة المخزنة تحت الجليد، حيث تُشير التقارير إلى احتياطيات ضخمة من النفط والغاز يُتوقع أن تصبح أكثر قابلية للاستخراج مع تطور تقنيات الحفر وازدياد ذوبان الجليد.
ويحذر خبراء من أن فتح هذه الموارد قد يعيد تشكيل أسواق الطاقة العالمية لعقود مقبلة، في وقت يتزامن مع تسارع التحول نحو الطاقة النظيفة عالمياً.
تُعد روسيا القوة الأكثر حضوراً في القطب الشمالي من حيث الجغرافيا والقدرات العسكرية، إذ تمتلك نحو 40 كاسحة جليد، بينها 14 كاسحة نووية، وهو أكبر أسطول من نوعه في العالم.
كما عززت موسكو وجودها العسكري في سيبيريا والجزر القطبية، وأدخلت كاسحة الجليد النووية "أورال" الخدمة بطول 209 أمتار وقدرة على كسر جليد بسماكة تصل إلى 4 أمتار.
وفي إطار التحركات القانونية، قدمت روسيا عام 2001 إلى الأمم المتحدة مطالبة بتوسيع جرفها القاري استناداً إلى المادة 76 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، معتبرة أن سلسلة لومونوسوف امتداد طبيعي لأراضيها، وهو ما قد يمنحها حقوقاً اقتصادية في مساحة تصل إلى 1.2 مليون كيلومتر مربع من قاع المحيط المتجمد الشمالي.
ورغم عدم امتلاكها أي ساحل في القطب الشمالي، تسعى الصين إلى تعزيز حضورها في المنطقة باعتبارها “دولة شبه قطبية”، وفق ما ورد في كتابها الأبيض لعام 2018.
وتستند الاستراتيجية الصينية إلى كونها أكبر مستورد عالمي للنفط والغاز، ما يدفعها للبحث عن طرق شحن أقصر وأكثر أماناً بعيداً عن نقاط الاختناق البحرية، وقد استثمرت بكين في كاسحات الجليد ومشاريع بنية تحتية في شمال النرويج وغرينلاند وروسيا، إضافة إلى دعم مشاريع الغاز الطبيعي المسال بالتعاون مع موسكو.
في المقابل، تواجه الولايات المتحدة تحديات لوجستية واضحة في المنطقة، إذ تمتلك كاسحتي جليد فقط، ما يحد من قدرتها التشغيلية مقارنة بروسيا.
وتزداد حساسية المشهد مع استمرار الخلاف بين واشنطن وأوتاوا حول ممر الشمال الغربي، حيث تعتبره كندا مياه داخلية خاضعة لسيادتها، بينما تصنفه الولايات المتحدة ممراً دولياً للملاحة.
تأسس مجلس القطب الشمالي عام 1996 كإطار تعاون يضم ثماني دول، هي روسيا والولايات المتحدة وكندا والنرويج والدنمارك وفنلندا والسويد وآيسلندا، بهدف تنسيق القضايا البيئية والتنموية.
لكن منذ مارس 2022، أصيب المجلس بشلل شبه كامل بعد تعليق الدول الغربية تعاونها مع روسيا عقب الحرب في أوكرانيا، ما أدى إلى تعطيل فعاليته، رغم استمرار الرئاسة الدورية للنرويج منذ 2023.
وتشير النماذج المناخية إلى احتمال تسجيل أول صيف خالٍ من الجليد في القطب الشمالي قبل عام 2050، وربما قبل 2030 في بعض السيناريوهات المتسارعة للاحتباس الحراري.
هذا التحول قد يجعل الملاحة في المنطقة شبه دائمة خلال أشهر الصيف، ويفتح الباب أمام استغلال أوسع للموارد الطبيعية، لكنه في الوقت ذاته يخلق مفارقة بيئية معقدة، إذ يسهم ذوبان الجليد في تسهيل استخراج الوقود الأحفوري الذي يؤدي حرقه إلى مزيد من الاحترار العالمي.
وتشير بيانات المجلس الأطلسي إلى أن التنافس في القطب الشمالي لم يعد اقتصادياً فقط، بل بات عسكرياً بشكل متزايد، مع تنفيذ روسيا تدريبات واسعة النطاق، وإجراء مناورات مشتركة بين روسيا والصين، إلى جانب تعزيز حلف شمال الأطلسي (الناتو) حضوره بإنشاء مركز قيادة خاص بالمنطقة.
ومع استمرار ذوبان الجليد وفتح الممرات البحرية وارتفاع قيمة الموارد، يتجه القطب الشمالي إلى أن يصبح أحد أهم مسارح التنافس الدولي في القرن الحادي والعشرين، حيث تتقاطع مصالح الطاقة والتجارة والأمن في منطقة كانت حتى وقت قريب معزولة تحت الجليد.
