جمال بن ماجد الكندي
التخبط السياسي والتصريحات الانفعالية غالبًا ما تكون انعكاسًا لتعثر ميداني وفشل في إدارة الأزمات الدولية، وليست مجرد مواقف عابرة. وهذا الأمر لمسناه بوضوح في التصريحات الأمريكية منذ انطلاق حملتها العسكرية، إلى جانب ربيبتها إسرائيل، ضد إيران؛ فقد كانت أهداف تلك الحملة تتمثل في القضاء على القيادات السياسية والعسكرية من الصفين الأول والثاني، مع التعويل على اندلاع مظاهرات داخلية ضد النظام الإيراني، بالتزامن مع تحركات مُسلَّحة في شمال شرق إيران تقودها جماعات كُردية، بهدف إضعاف الدولة الإيرانية من الداخل والدفع نحو تقسيمها.
ويبدو أن هذه الرؤية كانت جزءًا من خطة صهيونية أقنع بها نتنياهو الرئيس الأمريكي ترامب، رغم معارضة عدد من مستشاريه لهذا التوجُّه. إلّا أن النتيجة، بعد حرب استمرت أربعين يومًا، كانت فشلًا ذريعًا في تحقيق الهدف الأساسي للحملة، والمتمثل في إسقاط النظام الإيراني.
ومع هذا الإخفاق، انتقلت الأزمة إلى ملف مضيق هرمز، الذي كان في الأصل مفتوحًا أمام الملاحة الدولية، إلّا أن الحرب أفرزت واقعًا جديدًا جعل من المضيق ورقة ضغط استراتيجية بيد إيران. فبعد 40 يومًا من المواجهة، لم تحقق الولايات المتحدة وإسرائيل أهدافهما، في حين تمكَّنت إيران من تحقيق عدة مكاسب رئيسة؛ أبرزها: تماسك الجبهة الداخلية الإيرانية، سواء بين الموالاة أو حتى قطاعات من المعارضة، إلى جانب التفاف القيادة السياسية حول المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، كما حافظت إيران على قدراتها الصاروخية، بل وعملت على تطويرها وتعزيز تماسكها خلال الحرب.
أما الورقة الجديدة والأخطر، فهي مضيق هرمز، التي تحوَّلت إلى إحدى أهم أدوات الضغط الإيرانية على العالم بأسره، وليس على الولايات المتحدة وحدها. ومن هنا بدأت تظهر حدة التصريحات الأمريكية وما رافقها من ارتباك وانفعال سياسي نتيجة التحولات التي فرضتها هذه الورقة الاستراتيجية الجديدة.
من خلال ما ذكرناه، نستطيع أن نتبنى قاعدة سياسية مفادها أن: «الفشل العسكري يولِّد فشلًا في التصريحات السياسية»، وهذا ما ينطبق على حالة الإدارة الأمريكية اليوم، التي تعيش حالة من التخبط في كمّ التصريحات السياسية المتناقضة، نتيجة معطيات عسكرية وسياسية إيرانية في ميدان الحرب لم تكن واشنطن تتوقعها.
ولعلّ من أبرز هذه التصريحات ما صدر تجاه سلطنة عُمان، الدولة المعروفة بمواقفها الإيجابية والمتزنة تجاه أزمات المنطقة، خاصةً تلك التي تكون الولايات المتحدة طرفًا فيها، وذلك منذ الإدارات الأمريكية السابقة، وصولًا إلى الإدارة الحالية. فما صدر عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من تهديد بـ"تفجير عُمان" إذا شاركت في إدارة مضيق هرمز، يُعد سابقة خطيرة لرئيس أمريكي يُهدِّد دولة خليجية تُعرف بعلاقاتها السياسية والاقتصادية الإيجابية مع الولايات المتحدة، فضلًا عن دورها التاريخي في التهدئة وتقريب وجهات النظر في العديد من الملفات الإقليمية التي طرفها الأمريكي.
وقد أثار هذا التصريح استهجانًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية؛ كونه يُعد من المرات النادرة التي تصدر فيها تهديدات مباشرة من قيادة أمريكية تجاه دولة خليجية حليفة، بسبب ملف يرتبط بمضيق هرمز وتعقيداته الجيوسياسية.
ربما خانت الذاكرة السياسية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحت وطأة الضغط الإيراني المتصاعد، فانعكس ذلك في تصريحه الأخير تجاه سلطنة عُمان. ومن هنا، لا بُد من تذكير الإدارة الأمريكية الحالية، وعلى رأسها رئيسها، بأن عُمان المعروفة بسياسة الحياد الإيجابي في قضايا المنطقة، تقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، بهدف تحقيق التوافق وتجنيب المنطقة ويلات الحروب والصراعات. وقد نجحت السلطنة في عدد من الملفات الإقليمية والدولية، وإن تعثرت بعض المبادرات أحيانًا، فإن ذلك كان بسبب تعنت بعض أطراف النزاع أو تراجعها عن التزاماتها السياسية.
ولذلك نقول لترامب، إن عُمان ليست دولة هامشية في معادلة الخليج، بل تمتلك ثقلًا سياسيًا مستمدًا من تاريخها العريق ودورها المتوازن في المنطقة؛ فقد مارست السلطنة دورًا محوريًا في تخفيف التوترات الدولية، وكانت أحد أهم جسور الحوار بين واشنطن وطهران، حتى أصبحت وسيطًا نزيهًا يحظى باعتراف واحترام مختلف الأطراف الدولية والإقليمية.
إن السياسة العُمانية، يا سيد ترامب، قائمة على التوازن السياسي وعدم الانخراط في الصراعات العسكرية بإملاءات خارجية تخدم مصالح فئة على حساب أخرى؛ فالمصلحة القومية العُمانية هي أساس تعاملها السياسي، كما أن مبدأ السلام السياسي والعسكري يمثل جوهر عقيدتها الوطنية. ولهذا حظيت السلطنة باحترام دولي واسع، لأنها لا تدخل في صراعات بالوكالة ولا تنخرط في محاور إقليمية على حساب استقرار المنطقة.
ولا يخفى على أحد الدور العُماني في استضافة المفاوضات السرية بين الولايات المتحدة وإيران قبل اتفاق عام 2015، وهو الاتفاق الذي أسهم حينها في تخفيف حدة التوتر الأمريكي الإيراني وفتح نافذة للحلول السياسية. إلّا أن الرئيس ترامب عاد لاحقًا وانسحب من الاتفاق تحت ضغوط إسرائيلية، لتدخل المنطقة بعد ذلك في موجة جديدة من التوترات والصراعات، كان آخرها حرب الأربعين يومًا.
وعُمان، يا سيد ترامب، لا تمارس الدبلوماسية الاستعراضية، بل تعتمد على دبلوماسية هادئة ورزينة تعمل بصمتٍ من أجل إحلال السلام والاستقرار الإقليمي والدولي، وقد نجحت في ذلك في أكثر من ملف سياسي وإنساني. ولهذا يُنظر إلى الوسيط العُماني، لدى كثير من المتابعين والمراقبين، باعتباره عامل استقرار إقليمي لا طرفًا في الصراعات، وهو ما جعل وساطاته تحظى بالقبول والثقة من مختلف الأطراف.
كما نُذكّر الإدارة الأمريكية الحالية بأن الدبلوماسية العُمانية ساهمت، في أكثر من مناسبة، في الإفراج عن مُحتجزين أمريكيين في إيران، وهو ما يعكس حجم الثقة التي تحظى بها السلطنة لدى جميع الأطراف. إلّا أن هذه الحقائق، على ما يبدو، كانت بحاجة إلى من يذكّر بها الرئيس ترامب قبل إطلاق تصريحه الأخير تجاه عُمان.
اتسمت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال الحرب مع إيران بكثير من التناقضات، ولو دقَّقنا في هذه التصريحات وقُمنا بتحليلها لوجدنا حجم التخبُّط السياسي الذي تعكسه نتيجة الفشل الكبير في تحقيق أهداف الحرب على إيران. والتصريح الأخير تجاه سلطنة عُمان ليس حالة منفصلة؛ بل يأتي ضمن سلسلة من التصريحات المتناقضة التي تكشف غياب الرؤية السياسية المستقرة داخل الإدارة الأمريكية، بسبب نتيجة واحدة يمكن اختصارها بعنوان واضح: فشل المشروع الصهيوأمريكي في المنطقة أمام صلابة الموقف الإيراني، الذي قلب كثيرًا من الحسابات والخطط المعدّة لإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مشروع الهيمنة الإسرائيلية بعد سقوط آخر قلاع خط الممانعة والمقاومة في المنطقة.
ويمكن القول إنَّ المشكلة لا تكمن فقط في التصريح ضد عُمان؛ بل في أن ترامب قدَّم خلال الأزمة نفسها سلسلة من المواقف المتناقضة التي عكست حالة من الارتباك السياسي وعدم الاتزان في إدارة الملف. ومن أبرز هذه التناقضات ما يتعلق بحرية الملاحة وفرض الرسوم في مضيق هرمز؛ ففي الوقت الذي رفض فيه أي حديث عن إدارة مشتركة بين عُمان وإيران للمضيق، ولوّح بتهديدات ضد السلطنة خلال اجتماع حكومي في البيت الأبيض بتاريخ 27 مايو 2026، كان ترامب نفسه قد اقترح، بتاريخ 6 أبريل 2026م، فرض رسوم أمريكية على السفن العابرة لمضيق هرمز.
وهنا يبرز التساؤل السياسي المشروع: كيف تصبح الرسوم «انتهاكًا لحرية الملاحة الدولية» إذا اقترحتها إيران، بينما تتحول إلى «حق مشروع» عندما تطرحها واشنطن؟ وقد أشارت وكالة شينخوا الصينية في نسختها العربية، عبر تقريرها المنشور بتاريخ 7 أبريل 2026، إلى تصريحات ترامب المُتعلِّقة بفرض رسوم أمريكية على الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ما يعكس بوضوحٍ حالة التناقض في الخطاب الأمريكي تجاه هذه القضية، وغيرها من التصريحات المُتضارِبة التي صدرت عن الإدارة الأمريكية خلال الأزمة، والتي تعكس، كما أسلفنا، غياب الرؤية السياسية الواضحة إلى جانب الإخفاق العسكري في تحقيق أهداف الحرب المُعلنة.
ختامًا.. أثبتت الحرب الأخيرة أن الفشل العسكري لا يتوقف عند حدود الميدان؛ بل يمتد ليُصيب الخطاب السياسي بحالة من التخبُّط والتناقُض، وهو ما ظهر جليًا في التصريحات الأمريكية تجاه سلطنة عُمان ودورها الإقليمي. ومع اختيار سلطنة عُمان نهج الحكمة والحياد الإيجابي للحفاظ على استقرار المنطقة، ستبقى الدبلوماسية العُمانية، رغم كل الضغوط، نموذجًا للعقلانية السياسية التي تُقدّم الحوار والاستقرار على لُغة التهديد والتصعيد.
